أنا عندي 31 سنة، متجوزة وعايشة في بيت عيلة، وأم لطفلين، وحامل في طفل تالت لا كان في الحساب ولا في الترتيب، حملت عليه وأنا باخد وسيلة لمنع الحمل. من يوم ما عرفت بالخبر وأنا حاسة إن الدنيا كلها بتضيق في وشي مرة واحدة.
جوزي شغال وأنا كمان بنحت في الصخر عشان نسند البيت. بدأت أدي دروس خصوصية للأطفال هنا، ودي القشة الوحيدة اللي سترانا لحد آخر الشهر وبنعرف نجيب منها شريط علاج لو حد سخن. إحنا عايشين في أرياف، المادة ب 75 جنيه في الشهر، والأهالي بتماطل وتطلع عيني على ما تدفعها.
يومي بيبدأ من 9 الصبح وبفضل شغالة وواقفة على حيلي لحد 7 بالليل، ومعايا ولدين… واحد 3 سنين والتاني 4 سنين. طول النهار محبوسة بين الحصص والطلبة والطلبات، وأنا أصلاً حامل وعضمي مش شايلني.
المشكلة الكبيرة إن عيالي لحم رخيص بيجوعوا قدام عيني.
أبقى واقفة بشرح والباب مقفول، وسامعة ابني الصغير بيعيط برا ماما.. جعان.. بطني بتوجعني.
أخرج أمد إيدي من ورا الباب
معلش يا حبيبي، ثانية واحدة وهعملك تاكل.
بس الثانية دي بتجر ساعات.
مبقدرش أسيب المجموعة وأدخل أطبخ، فبجيب لهم عصير، باكو بسكوت، كيكة… أي مسكنات تسكت بطونهم لحد ما اليوم يخلص.
وأفضل حابسة الدمعة في عيني وعارفة إن ده مش أكل يربي عيال.
حكايات_مني_السيد
ولما بخلص الساعة 7 بكون منهارة، أقعد نص ساعة أتنفس، وأدخل المطبخ أطبخ بالعافية، على ما الأكل يجهز تكون الساعة دخلت في 8 أو 9 بالليل.
والله العظيم عيالي من كتر الجوع والتعب يدخلوا يناموا ويشدوا المخدة يغطوا بيها وشوشهم عشان يهربوا من الجوع، والمنظر ده بيحرق دمي وقلبي كل ليلة.
كنت بحاول أنزلهم لحماتي وقت الغداء تاخدهم في حضنها وتأكلهم، كنت بقول في سري حتى لو ملوخية بايتة، لو
شوية فول، أي لقمة تسندهم.
في الأول كانت بتستقبلهم، بعدين بقت يدوب ربع ساعة وألاقيهم طالعين بيصرخوا.
أسألها، تقولي ببرود
هما اللي بيزنوا وعايزين يطلعوا، أنا مالي؟
لحد ما العيال نفسهم كرهوا ينزلوا وبقوا يقولولي
مش عايزين ننزل تحت.. تيتة بتضـ,ـربنا ومش بترضى تأكلنا!
سكت وبلعت الإهانة عشان مش ناقصة وجع دماغ ومشاكل في بيت عيلة، وفوق كل ده حمايا عارف ظروفنا المهببة وبياخد مني كل أول شهر 500 جنيه مساعدة عافية، والفلوس اللي بتدخل مفيهاش أي بركة.
حكايات_مني_السيد
شغالين إحنا الاتنين ومستورين بالعافية، وكل شهر ديون وخراب مستعجل تليفون يبوظ، شاشة تتحرق، دواء يتطلب… الفلوس بتدخل من هنا وتطير في الهوا من هنا.
أقول لجوزي
اتحرك يا ابن الناس، دور على شغلانة تانية بمرتب كويس أنا جسمي اتدمر ومبقتش قادرة!
يرد ببرود يفرس
أنا عندي 36 سنة، مين هيشغلني؟
أرد عليه بقهر
وأنا عندي 31 سنة، واللي يشوفني يقول معدية الستين من الهم!
وفي اليوم ده، بعد ما خلصت آخر مجموعة الساعة 7، دخلت المطبخ ورجلي مش شيلاني.
فتحت التلاجة… ملقتش فيها غير إزازة ماية وقالب جبنة قديمة ناشف، مفيش لقمة تتاكل حصري على صفحة روايات و اقتباسات… بصيت ورايا، لقيت يوسف وسيف قاعدين على الأرض في الصالة وساندين ضهرهم للحيطة، وعينهم عليا مستنيين الأكل.
الكبير بصلي بصوت مكسور ودموعه في عينه
ماما… هو النهارده كمان مفيش عشا؟
الكلمة نزلت على دماغي زي مية النار، اتجمدت مكاني ومعرفتش أرد، وقبل ما أنطق بحرف، سمعت صوت جوزي طالع من أوضة النوم وهو بيتكلم في التليفون بصوت واطي ومرعوب.
قربت من غير صوت ووقفت ورا الباب، وسمعته بيقول
أيوا يا أمي… أنا لازم أتصرف في الفلوس دي قبل ما هي تعرف، لو عرفت إني مضيت على وصولات الأمانة دي عشان أستر الموضوع ده هتخرب البيت وتسيبني!
رجلي اتسمرت في الأرض، والدم هرب من عروقي، وحسيت ساعتها إن المصيبة اللي دخلت بيتنا مش فقر ولا جوع… المصيبة أكبر وأبشع من كل اللي عشته ووو…….
حكايات_مني_السيد
فتحت باب الأوضة ببطء، وأنا بحاول أتماسك.
جوزي كان واقف وظهره ليا، ولسه ماسك الموبايل.
أول ما سمع صوت الباب، لف بسرعة، ولما شافني قدامه، وشه اتغيّر.
إنتِ كنتِ بتسمعيني؟
بصيت له من غير ما أرد.
يوسف وسيف كانوا لسه قاعدين في الصالة، وعينيهم معلقة علينا.
قلت بصوت مخنوق
إنت مضيت على وصولات أمانة؟
سكت.
رُد عليا يا أحمد!
حط الموبايل على السرير وقعد، وحط إيده على وشه.
كنت هقولك…
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة القهر.
كنت هتقولي إمتى؟ بعد ما ياخدوا البيت؟ ولا بعد ما يحبسوك؟
رفع عينه ليا، وكانت أول مرة أشوف الخوف الحقيقي في وشه.
الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
أمال زي إيه؟!
قام وقف قدامي وقال
الفلوس اللي اتاخدت… مش فلوسي لوحدي.
اتجمدت.
يعني إيه؟
بص ناحية باب الأوضة، وكأنه خايف حد يسمعنا، وبعدها قرب مني وقال بصوت واطي
أنا مضيت على الورق ده عشان أنقذ حد من العيلة.
مين؟
ما ردش.
أحمد… مين؟
فضل ساكت ثواني، وبعدين قال
أمي.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
أمك؟!
هز راسه.
بس المشكلة إن أمي مش هي اللي عليها الديون.
وقتها قلبي دق بعنف.
أمال مين؟
قبل ما يجاوب، سمعنا خبطتين جامدين على باب البيت.
دق… دق…
الأولاد اتخضوا.
أحمد وشه اصفر.
بصيت له وقلت
مين دول؟
ما ردش.
الخبط اتكرر، المرة دي أقوى.
دق… دق… دق!
وصوت راجل من بره قال
يا أحمد! افتح الباب… إحنا جايين ناخد حقنا!
يوسف جري عليا وحضني من رجلي.
وسيف بدأ يعيط.
أما أحمد، ففضل واقف مكانه كأنه اتشل.
قربت منه وقلت
افتح.
هز راسه برعب
لأ.
افتح الباب يا أحمد.
لو فتحت… حياتنا كلها هتتغير.
بصيت ناحية الباب، وبعدين لأولادي، وقلت
حياتنا اتغيرت خلاص.
وفجأة، الخبط وقف.
ساد الصمت.
وبعد ثواني، سمعت صوت ورقة بتتزحلق من تحت الباب.
أحمد أول ما شافها، رجع لورا خطوتين.
نزلت أنا ومسكت الورقة.
وكان مكتوب عليها اسم واحد بس…
اسمي أنا إيدي بدأت ترتعش وأنا ماسكة الورقة.
بصيت لأحمد، وبعدين رجعت أبص للاسم المكتوب.
اسمي أنا ليه؟
أحمد ما ردش.
قلبت الورقة، لقيت تحت اسمي رقم كبير جدًا، وتاريخ قديم، وتوقيع.
قربتها من عينه
ده توقيع مين؟
وشه اتشد.
مش توقيعي.
وأنا كمان مش توقيعي!
سكت.
وفجأة ابني يوسف قال من ورايا
ماما… هو عمو اللي كان بييجي عند باب البيت قبل كده؟
بصيت له بسرعة.
عمو مين؟
يوسف أشار للباب.
الراجل اللي كان بيسأل بابا عن الفلوس.
أحمد اتوتر أكتر.
يوسف، ادخل الأوضة.
لكن يوسف كمل كلامه ببراءة
هو كان بيقول لبابا لو أمك ما دفعتش، هتاخدوا البيت.
حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
بصيت لجوزي
البيت؟!