منوعات

طردني في نص الليل بالبيجامة

العمارة كلها عارفة إن أخته هي اللي كانت قالباها جحيم!.
شهوده هما أصحابه وحارس العمارة اللي شغال عندهم بالأجرة.. أستاذ مجدي رد بتشاؤم الحارس شهد إنه شافها نازلة لوحدها متخفية بإسدال في نص الليل، وإنها كانت متوترة وسابت البيت بمزاجها بعد ما دشدشت المطبخ.
في اللحظة دي، حسيت بنار قايدة في جسمي كله. مش بس ظلموني، دول كمان خططوا يلبسوني تهمة تمس شرفي وتمس أمومتي، وياخدوا ولادي يربوهم على إيد العقربة اللي دمرت حياتي!

مسحت دموعي بإيدي اللي كانت بترتعش، ونزلت على عيني غشاوة من نوع تاني… مش غشاوة ضعف وبكاء، دي غشاوة غل ورغبة في المقاومة لحد آخر نفس. بصيت لأستاذ مجدي وسألته هو الورق ده راح النيابة خلاص؟. رد عليا لسه، المحضر اتسجل وهيطلع على النيابة بكرة الصبح عشان التحقيق، وهو حاليًا فوق في المباحث بيعمل محضر ضم للأطفال بقوة القانون بناء على التنازل اللي معاه.
هو فوق؟! سألته وعيني وسعت. أه، أحمد فوق مع المحامي بتاعه بيستكملوا الإجراءات.
أبويا مسك دراعي بخوف رايحة فين يا نرمين؟ اوعي تتهوري يا بنتي يضيع حقنا!.

شديت إيدي من إيد أبويا براحة بس بحسم ما تقلقش يا بابا، نرمين اللي كانت بتخاف من صوت أحمد العالي طردوها بالبيجامة في الشارع خلاص… اللي قدامك دي أم، ومش هتسيب ولادها لو على رقبتها.
طلعت السلم المؤدي لمكاتب المباحث بخطوات سريعة وثابتة، أستاذ مجدي كان بيحاول يحصلني وهو بينده عليا عشان أستنى الإجراءات الرسمية، بس أنا ما كنتش سامعة غير صوت عياط يوسف ويونس في وداني.

وصلت للدور التاني، طرقة طويلة مليانة مكاتب، وعلى يمين مكتب مفتوح بابه نص فتحة، لمحت أحمد قاعد جوه ببدلته الكحلي، حاطط رجل على رجل بكل ثقة، وبيضحك مع المحامي بتاعه، وجنبهم أخته نادية قاعدة وشايلة شنطة كتف كبيرة، ولابسة عبايتها وبتردح بصوت واطي وهي بتشرب عصير.
نادية كانت هناك! الحرباية اللي اتسببت في كل ده، قاعدة بكل بجاحة في قسم الشرطة مستنية تستلم ولادي رسميًا!
دفعت الباب برجلي ودخلت زي الإعصار.
الضحكة وقفت على وش أحمد، ونادية اتخضت وقامت وقفت والعلبة وقعت من إيدها.

الظابط اللي كان قاعد ورا المكتب رفع راسه بغضب وخبط على الطاولة إيه قلة الأدب دي؟! مين سمحلك تدخلي كده؟!.
أنا نرمين يا باشا! صرخت بصوت خلى كل اللي في المكتب يتسمر مكانه أنا الأم اللي اترميت في الشارع الساعة تلاتة الفجر عشان الست دي تطبخ في مطبخي! أنا اللي اتاخد منها عيالها الرضع بالقوة والافتراء!.
أحمد وقف وحاول يمثل الثبات والوقار، وقرب من الظابط وقال بمسكنة شوفت يا فندم؟ دي المجنونة اللي حكيت لسيادتك عنها! داخلة القسم تهجم عليا إزاي؟ دي الست اللي كسرت شقتي وسابت عيالها وطفشت في نص الليل، وجاية دلوقتي تكمل شغل البلطجة!.

نادية كملت وراه بدموع تماسيح مفضوحة أيوة يا باشا، دي ست ما تتقمنش على ضنى! ولاد أخويا كان هيمو.توا من البرد لولا إني دخلت الشقة الصبح لقيتهم مرميين في السراير بيصرخوا والشقة متدمرة! دي مش أم، دي مجرمة! ومعانا تنازلها المكتوب بخط إيدها وبصمتها!.
بصيت لنادية، وقربت منها خطوة واحدة، كانت عينيا فيها نظرة خلتها ترجع لورا بخوف حقيقي. بصتلها وقولت بهدوء مرعب التنازل ده… بصمتي عليه إمتى يا نادية؟. نادية ارتبكت وبلعت ريقها أ… إنتِ اللي كتبتي وبصمتي لما كنتي بتتنازلي عشان أحمد ما يحبسكش بالسر.قة!. السر.قة؟

ضحكت ضحكة مكسورة عالية هزت أركان المكتب أنا أسر.ق جهازي اللي أبويا شقيان فيه؟ طب التنازل ده عليه تاريخ إيه يا باشا؟.
أستاذ مجدي دخل في اللحظة دي مع أبويا، وقال للظابط باحترام سيادة الرائد، أنا وكيل الشاكية، وبنطعن بالتزوير المادي والمعنوي على الورقة دي فورًا، وبنطالب بالتحفظ على كاميرات المراقبة بتاعة المحلات اللي قدام عمارة المشكو في حقه، لأن موكلتي انطردت الساعة تلاتة صباحًا بإسدال جارتها، وما دخلتش الشقة من وقتها! التكسير ده حصل الصبح بمعرفتهم عشان يلفقوا التهمة!.

الظابط بص لأحمد وشك بدأ يظهر في عينيه، مسك الورقة المزعومة وبص فيها، وبعدين بص لأحمد الكلام ده حقيقي يا أستاذ؟ في كاميرات في الشارع؟.
أحمد وشه بهت للحظة، بس سرعان ما استرجع بروده ورد شارع إيه وكاميرات إيه يا فندم؟ الشارع هناك كله ورش وبتقفل بدري، ومفيش كاميرات شغالة بالليل.. وهي بتماطل عشان تتهرب من جر.يمة الإتلاف والسر.قة، وعيالي هيفضلوا في ح.ضن أختي بنص التنازل الرسمي ده!.
التنازل ده باطل بطلان مطلق بقوة القانون يا باشا..

أستاذ مجدي رد بحزم وقوة الأم لا تملك التنازل عن حضانة الصغار إذا كان التنازل يضر بمصلحتهم، والطفلين في سن الرضاعة الطبيعية، وفصلهم عن الأم جر.يمة شروع في ق.تل عمد بالإهمال! وإحنا بنقدم دلوقتي بلاغ رسمي بطلب استرداد الأطفال فورًا ونقلهم لمستشفى لإثبات حالتهم الصحية!.
الظابط مسك القلم وفضل يدق بيه على المكتب بتفكير. الجو في الأوضة كان مشحون بدرجة تكفي تولع حريقة. بص لأحمد وبصلي، وقال بصوت حاسم الأطفال فين دلوقتي يا أستاذ أحمد؟.
أحمد اتلجلج، وبص لنادية بنظرة سريعة مليانة توتر، وبعدين رد الولاد… الولاد في البيت مع والدتي، نايمين وبخير ومحدش يقدر يقربلهم!.

في اللحظة دي بالظافت، تليفون نادية اللي كان محطوط على الترابيزة قدامها نور، وبدأ يرن. نادية مدت
إيدها بسرعة عشان تاخده، بس الظابط لمح الشاشة وقرا الاسم بصوت عالي دكتور طوارئ الأطفال مستشفى النيل التخصصي؟!.
نادية اتخضت وإيدها اتجمدت في الهوا. أنا أول ما سمعت اسم المستشفى، عقلي طار. نسيت إني في قسم، ونسيت الظابط، وهجمت على الترابيزة خ.طفت التليفون وفتحت الاسبيكر قبل ما أحمد يلحق يشدني.
وصوت الدكتور طلع من السماعة عالي وواضح، بيرن في الأوضة زي الرصاص
ألو… يا مدام نادية؟

الطفلين التوأم اللي حضرتك جبتيهم من ساعتين حالتهم متدهورة جدًا، الولد الصغير عنده جفاف حاد وهبوط في السكر بسبب امتناعه عن اللبن الصناعي وتناول أدوية مهجئة بطريقة غلط! إحنا محتاجين الأم فورًا تمضي على إقرار دخول العناية المركزة، وبنبلغ الشرطة رسميًا دلوقتي باشتباه تسمم دوائي… لازم تحضروا حالًا!. كلمة “تسمم دوائي” و”عناية مركزة” نزلت على دماغي زي صاعقة كه τις قطعت نفسي. الدنيا لفت بيا، والأوضة كلها اتهزت. حسيت برجلي مش شيلاني، قعدت على الأرض بصرخة شقت سقف القسم كله:

«ولادي! ق.تلتوا عيالي يا كفرة! اديتوهم إيه؟! سممتوهم عشان تسكتوهم؟!». أحمد وشه اتقلب أزرق زي الميتين، ونادية رجليها خبطت في بعضها ووقعت على الكرسي وإيديها بترتعش بهستيريا، وشفايفها بتتحرك من غير صوت. الظابط قام وقف فجأة من ورا مكتبه، وشه كان بيبرق من الغضب والحزم، شاور للعسكري اللي واقف على الباب وزعق بصوت جهوري: «اقفل الباب ده وما تخرّجش حد منهم برة! وهاتلي قوة فورًا وعربية بوكس تحت!». بص لأحمد ونادية وقال بنبرة تقطع عرق وتسيل دم: «بقى الولاد نايمين مع والدتك في البيت وزي الفل؟! وبتتحايلوا على القانون وبتزوروا تنازل، والعيال بتمو.ت في المستشفى بسبب بلاويكم؟!».

أحمد حاول يتكلم ويتلجلج: «يا باشا والله ما نعرفش حاجة… نادية هي اللي نزلت بيهم الصبح، أنا ما كنتش أعرف إنهم تعبانين… هي اللي قالتلي هديهم دوا مغص عشان يناموا!». نادية صرخت فيه لما لقت أخوها بيبيعها في ثانية عشان ينجد رقبته: «أنا يا أحمد؟! مش أنت اللي قولتلي خرسيهم بأي زفت عشان صوتهم ما يفضّحناش في العمارة ويقولوا رامي مراته وحابس عياله؟! مش أنت اللي جبت من الصيدلية دوا الحساسية وقولتلي حطي منه في الببرونة عشان يفضلوا نايمين لحد ما نخلص المحضر؟! بتلبسني أنا المصيبة لوحدي يا نطع؟!».

أبويا في اللحظة دي مسك في خناق أحمد، الراجل العجوز اللي في التمانينات بقى فيه عزم يهد جبال من حرقة قلبه على أحفاده، والظابط والعساكر فضلوا يسلكوهم بالعافية. الظابط زعق: «كفاية قلة أدب! أمين شرطة، خد المتهم والمتهمة دول في الحجز فورًا، وتحريز الموبايل ده بكل المكالمات اللي عليه! وأنتِ يا مدام، اطلعي مع المحامي بتاعك ومعاكم القوة على مستشفى النيل حالًا، وأنا هلحقكم بمندوب من النيابة العامة لإثبات الحالة وفتح تحقيق شروع في ق.تل وإهمال جسيم!».

خرجت من القسم وأنا مش شايفة قدامي، خطواتي كانت بتتسابق مع الهوا، الدموع نشفت في عيني وحل مكانها رعب حقيقي ما يدوقوش غير اللي شال ضناه بين إيديه. ركبنا عربية مع أستاذ مجدي وأبويا، وكل ثانية في الإشارات كانت بتمر كأنها قرن كامل من السلخ. وصلنا مستشفى النيل التخصصي، دخلت الطوارئ وأنا بنهج وأصرخ باسم يوسف ويونس. ممرضة الاستقبال جريت عليا: «أنتِ والدتهم؟». «أيوة أنا أمهم! فين ولادي؟! عايشين صح؟! قوليلي إنهم عايشين بالله عليكي!».

الدكتور خرج من أوضة الملاحظة المركزة، وشه كان باين عليه الإرهاق والغضب. قرب مني وقال بسرعة: «اهدي يا مدام الحمد لله لحقناهم في آخر لحظة.. الطفلين جالهم هبوط حاد في وظائف التنفس وهبوط سكر، نتيجة جرعة زايدة جدًا من دوا مهدئ ومضاد للهيستامين لا يتناسب نهائيًا مع سنهم الرضيع، غير إن كان عندهم جفاف لأنهم رفضوا الببرونة تمامًا وفضلوا يرجعوا.. إحنا عملنا غسيل معدة وركبنا محاليل، ودلوقتي تحت الملاحظة الدقيقة، وحالتهم بدأت تستقر، وممنوع أي خروج قبل ٤٨ ساعة».

وقعت على ركبي في طرقة المستشفى، بست الأرض وأنا بشكر ربنا وببكي بحرقة وانهيار. مفيش وجع في الدنيا يساوي رعب الأم على ضناها، ومفيش راحة تساوي كلمة “ولادك عايشين”. دخلت شفتهم من ورا الإزاز.. يوسف ويونس، ملايكة مالهومش ذنب، الكانيولات في إيديهم الصغيرة الرقيقة، ووشوشهم دبلانة من التعب. في اللحظة دي بالذات، قلبي اللي كان ساعات بيحن أو يضعف عشان “العشرة” أو “أبو ولادي”، اتحول لحجر صوان. أحمد ونادية ماتوا بالنسبة لي تمامًا، ومش هسيب حق شقايا ولا حق ولادي اللي كانوا هيروحوا فيها هدر.

ساعتين بالظبط، وكان رئيس المباحث ومعاه وكيل النيابة واصلين المستشفى. بدأ التحقيق في مكتب مدير المستشفى رسميًا. الدكتور كتب تقرير طبي مفصل ومختوم، بيثبت وجود نسبة عالية من مادة مهدئة سامة للرضع في دم الطفلين، وسوء تغذية وجفاف، مع إشارة واضحة لشبهة جنائية بالإهمال الجسيم وإعطاء عقاقير بدون تذكرة طبية. وكيل النيابة قعد قدامي، راجل شاب وشه صارم بس عينيه فيها إنصاف: «احكيلي يا مدام نرمين، من البداية خالص.. إيه اللي وصل الطفلين للحالة دي، وإيه حكاية الشقة المكسورة والتنازل؟».

حكيت كل حاجة بما يرضي الله، ما زودتش كلمة ولا نقّصت حرف. حكيت عن أخته اللي كانت مستبيحة بيتي وحرمتي، عن ترويعي في نص نومي، عن سر.قة راحتي وخصوصيتي، وعن الأجهزة اللي أبويا شقيان فيها. وحكيت عن الليلة المشؤومة لما طردني بالبيجامة عشان يرضيهم، والست الجارة الأصيلة اللي سترتني بإسدالها. أستاذ مجدي قدم للنيابة قنبلة ما كانوش عاملين حسابها: «سيادة المستشار، إحنا مش بس بنطعن بالتزوير على ورقة التنازل اللي مقدمها المتهم، إحنا بنقدم دلوقتي فلاشة ميموري عليها تسجيلات كاميرات المراقبة بتاعة محل السوبر ماركت اللي قصاد العمارة بالظبط».

وكيل النيابة رفع راسه باهتمام: «جبتوا التسجيلات دي إمتى؟».

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى