منوعات

قبضت الجمعية ب١٠٠الف جنية

دبلتك أهي.. وفرحك اللي بتهددني بيه اعمله لنفسك يا طارق، شطب بيه شقتك واقعد اتفرج عليها لوحدك!
طارق اتنتر وشه، وحماتي شهقت وصرخت بنتك بترمى الشبكة في وش ابني يا حاج أحمد؟! دي قلة رباية!
بابا بص لحماتي باحتقار وقالها بنتي متربية أحسن تربية، واللي رماها ده رمى الزبالة في مكانها الصح. شبكتكم ومصاريفكم وحاجتكم هتوصلكم لحد باب بيتكم بالورقة والقلم والمليم، ومن اللحظة دي.. بنتي ما تعرفش حد بالاسم ده، ولو شفت خيال ابنك بيهوب ناحية المحل هنا أو ناحية بيتنا، ما تلوموش إلا نفسكم.. يلا يا نهى، اجمعي حاجتك وخدي إجازة النهاردة.

طارق كان واقف مذهول، وشه بقى أحمر زي الطماطم من الإحراج وسط العمال والزباين، وطي على الأرض يلم الدبلة وهو مش قادر يرفع عينه في حد. أمه مسكت في دراعه وبدأت تجره وهي بتبرطم وتدعي بكلام ملوش معنى، وخرجوا من المحل وراسهم في الأرض، بعد ما كانوا داخلين رافعين مناخيرهم في السما.
رجعت مع بابا وعمي وخالي البيت. أول ما دخلت أوضتي وقفلت الباب، حسيت إني اتولدت من جديد. بصيت للسرير، الفلوس كانت محطوطة زي ما هي. مية ألف جنيه.. بس المرادي ما كانش وراهم رعب، كان وراهم خلاص. خلاص من جوازة كانت هتبقى جحيم مستمر.

قعدت على السرير وابتسمت، وكنت فاكرة إن الموضوع خلص عند النقطة دي.. وإن الحكاية اتقفلت لما رميت الدبلة في وشه وخرجوا مطرودين من المحل.
لكن بعد المغرب بالظبط.. تليفون بابا رن. ولما بابا رد، وشه اتغير تاني، بس المرة دي ما كانتش علامات غضب.. كانت علامات صدمة وذهول أكبر بكتير من كل اللي فات.
بصلي بابا وهو حاطط إيده على الموبايل وقال بهمس نهى… طارق عمل حادثة بالعربية النص نقل، وهو دلوقتي في المستشفى… وأمه قالبالنا الدنيا وبتتهمك رسمي إنك إنتِ السبب في مو.ته لو ما.ت!

الكلمة نزلت عليا في الصالة زي الصاعقة. حسيت إن الأرض بتلف بيا، ورجليا رخيت تماماً فمسكت في ضهر الكنبة عشان ما أقعش.
حادثة؟ وأنا السبب؟!
ماما قامت مفزوعة من المطبخ، بتنفض إيديها من الدقيق وعينها مبرقة حادثة إيه يا حاج؟! طارق ماله؟ وجراله إيه؟ واستفتحنا البلاوي منين على المسا كده؟!
بابا كان حاطط الموبايل على ودنه، وصوت الصريخ والعويل اللي طالع من السماعة كان مالي الصالة كلها، كأننا واقفين في سرادق عزا مش في بيتنا. صوت أمه كان طالع مسعور، بتولول وتلطم ابني بيمو.ت بسببكم! ابني د.مه في رقبتك يا أحمد أنت وبنتك!

طالع من عندكم دمه فاير ومش شايف قدامه وركب مع بتاع النقل ولبسوا في عامود نور على أول الطريق الزراعي! والله ما هسيبكم، والله لأحبسكم وأبهدلكم وأفضح بنتك في منطقتها كلها!
بابا فضل ساكت ثواني، وشه اتجمد كأنه صخرة، وبعدين رد عليها بنبرة تقيلة وثابتة ابنك ربنا يشفيه ويقومه بالسلامة يا أم طارق، وإحنا لا دعينا عليه ولا لينا يد في قضا ربنا وقدره، ولو ليكي حق بالقانون أو بالعرف اطلبيه، لكن قلة الأدب والاتهامات الباطلة دي مش هسمح بيها.
وقفل السكة في وشها قبل ما تكمل صراخها.
ماما قعدت تلطم على صدرها بخفة وتقول يا مصيبتي السودة!

البت لسه قالعة الدبلة الضهر، والمغرب الواد يعمل حادثة؟! الناس هتقول إيه يا حاج؟! هيقولوا وشها فقر عليه وقصفت عمره! وهيقولوا البت سابته في محنته عشان الفلوس!
بابا بص لماما بصة سكتتها في ثواني اخرسي يا ولية وماتقوليش الكلام الخايب ده! وش فقر إيه وخرافات إيه؟! الواد طايش، وربنا جاب عاقبة طمعه وسوء نيته في نفسه، بنتنا مالهاش دعوة ولا عملت جريمة عشان تخاف. هي رمت باطل كان راكبها، والحمد لله إن الحبل اتقطع قبل ما تدخل بيته.
أنا كنت واقفة مش قادرة أنطق، في صراع بياكل في روحي من جوة. جزء مني..

الجزء الطيب، الغبي، اللي اتربى على العشم والحنية، كان حاسس بغصة في حلقه طب لو حصله حاجة بجد؟ لو مات؟ مش يمكن كان زعلان ومنهار عشان كده ركب ومخدش باله؟ لكن الجزء التاني، الجزء اللي صحي الضهر لما عايرني بسني وهددني بفسخ الخطوبة وشقا سنيني، كان بيصرخ في وشي اوعي ترجعي خطوة واحدة لورا، ده فخ جديد لو دخلتيه برجلك هتدفني نفسك بإيدك!
عمي إبراهيم وخالي عصام جم على رنة التليفون في دقايق، لأن بيوتنا كلها في نفس الشارع. قعدوا في الصالة، وبدأوا يتكلموا بصوت هادي وعاقل. عمي قال لبابا يا حاج أحمد، إحنا ولاد أصول وبنعرف الواجب.

الواد عمل حادثة، في مستشفى إيه؟ المستشفى الميري اللي على أطراف البلد. إحنا نروح، نطل عليه من بعيد، ونعرف حالته إيه بالظبط عشان نقفل الباب في وش أي لسان عايز يتبلى علينا أو يرمي تهم جزاف، وناخد معانا حد من معارفنا هناك.
بابا هز راسه عندك حق، أنا هروح معاك يا إبراهيم، بس نهى مش هتعتب المستشفى، ولا رجلها تخطي برة الباب ده الليلة.
بصيت لبابا وقلتله بابا.. خالي.. عشان خاطري طمنوني، أنا مش عايزة أكون سبب في أذية حد مهما كان، بس أنا مستحيل أرجعله حتى لو قام سليم معافى.

بابا حط إيده على راسي وطبطب عليا اطمني يا بنتي، إحنا رايحين نعمل الواجب والشهامة اللي اتربينا عليها، مش رايحين نطاطي لحد ولا نرجع في كلمة قلناها.
نزلوا التلاتة بابا وعمي وخالي. الساعات اللي فضلت فيها قاعدة في البيت مع ماما كانت كأنها سنين. عقارب الساعة كانت بتتحرك ببطء يزهق. ماما رايحة جاية في الصالة تسبح وتستغفر، وتدعي إن ربنا يعديها على خير. وأنا ماسكة الموبايل في إيدي، قافلة النت، وكل شوية يجيلي رسايل من صحابنا المشتركين نهى إيه اللي حصل لطارق؟، نهى طمنينا بيقولوا طارق في العمليات؟، هو إنتوا فركشتوا بجد؟.

الخبر انتشر في البلد زي النار في الهشيم، وطبعاً الرواية اللي انتشرت كانت من تأليف وإخراج حماتي إن البنت الطماعة سابته عشان طلب منها تساعده في الشقة، والواد من كتر حرقته وقهرة قلبه عمل حادثة وكان هيروح فيها!
قعدت أضغط على شفايفي لحد ما حسيت بطعم الدم. الغل والظلم كان واكلين قلبي. يعني فوق ما كانوا عايزين يسرقوني، كمان بيشوهوا سمعتي ويطلعوني أنا المجرمة وهو الضحية الغلبان؟!
الساعة عدت واحدة بعد نص الليل لما سمعت صوت مفتاح بابا في الباب. قمت وقفت على حيلي وماما جريت على الباب.

دخل بابا وعمي وخالي، وشوشهم ما كانش عليها علامات حزن ولا فجيعة، بالعكس.. كانت وشوشهم عليها علامات سخرية وقرف تام!
بابا قلع الجاكيت ورماه على الكنبة، وقعد ينفخ. ماما سألته بلهفة ها يا حاج طمنا؟ الواد في العناية المركزة؟ هيعيش؟
خالي عصام ضحك ضحكة عالية مليانة استهزاء عناية مركزة إيه يا ست أم نهى! ده ولا حتى خد غرزة في صباع رجله الصغير!
برقت بعيني مش مصدقة إيه؟! يعني إيه يا خالو؟ مش بيقولوا العربية اتقلبت بيهم ودخل في عامود؟!

عمي إبراهيم قعد وولع سجايره وقال بنبرة مليانة اشمئزاز الحكاية كلها فيلم هابط من أفلام أم طارق وابنها.. العربية النص نقل أصلاً كانت ماشية براحة جداً، حكت في رصيف وبتاع النقل فرمل، الفانوس اتكسر، وطارق اتخبطت كتفه

في الباب، جاله كدمة خفيفة في دراعه اليمين وشوية سحجات في إيده! لا كسر، ولا نزيف، ولا عمليات، ولا أي كلام فارغ من اللي الولية كانت بتصوت بيه في التليفون!
بابا كمل بصوت مخنوق من الغيظ وصلنا المستشفى، لقينا أم طارق قالبالهم الطوارئ صريخ، وأول ما شافتني جاية ومعايا عمك وخالك، افتكرت إننا جايين مرعوبين وجايين نترجاهم عشان التهديد بالبلاغ، فجأة الواد اللي كان قاعد على السرير بيتكلم عادي، راح ممدد على السرير ومغمض عينه وعامل نفسه فاقد الوعي وبيطلع في الروح!
حطيت إيدي على بقي من الصدمة للدرجة دي يا بابا؟! للدرجة دي التمثيل والرخص؟!

بابا بصلي وقال وأكتر من كده يا بنتي.. الدكتور اللي كان مناوب في الطوارئ طلع ابن زميل عمك إبراهيم في الشغل، كشف عليه واداله مسكن للكدمة وقالهم بالحرف العيان سليم وزي الحصان، وتقدروا تاخدوه وتمشوا حالاً لأننا محتاجين السراير لحالات بجد. ساعتها بقى شوفي وش أمه لما لقت الدكتور بيكشف تمثيلهم! بس الولية ما استسلمتش، بصتلي قدام الناس في الاستقبال وقالتلي ماشي يا حاج أحمد.. طالما الواد قام بالسلامة، إحنا لينا عندكم قعدة حق عرب، ولينا عند بنتك شبكة ومصاريف وكسرة قلب ابني، وهتدفعوا تمن كل ده من شقا بنتك ومية ألفها اللي فرحانة بيهم!

عمي إبراهيم ض.رب على ركبته وقال أنا رديت عليها في ساعتها وقلتلها حق العرب ده للي عندهم شرف وعرب، وإحنا قعدتنا بكرة بعد صلاة العشا في بيت الحاج أحمد، كبارات عيلتك يجوا، والدهب بتاعكم هيرجعلكم بالجرام على الميزان، ومليم زيادة مالكوش عندنا، ورجليكم ما تخطيش المحل ولا تدوسوا لطرف بنتنا تاني!
الليلة دي نمت وأنا حاسة بنار هادية جوايا. النار دي ما كانتش نار زعل، كانت نار الغضب النضيف، الغضب اللي بيخلي الواحد يعرف مين معاه ومين عليه، ويعرف إن ربنا نجاه من بير خيانة ملوش قاع.
تاني يوم، صحيت الصبح وأنا في منتهى الثبات.

فتحت دولابي، طلعت علبة الدهب.. الدبلة اللي كانت مرمية في المحل بابا كان جابها معاه، والخاتم التوينز والمحبس والسلسلة الرفيعة اللي كان جايبهم.. كلهم على بعض ما يكملوش أربعين جرام، كانوا في الأصل شبكة على قده ورضيت بيها ومقلتش بم بم، في حين إن بنات عيلتي كلهم كانوا بياخدوا شبكات بميات الألوف، وكنت بقول مش مهم الدهب، المهم الراجل اللي يصون. واتضح إن لا كان في راجل، ولا كان هيصون.
نزلت المحل عادي، اشتغلت بكل طاقتي.

كل ما حد يسألني أرد بابتسامة باردة كل شيء قسمة ونصيب، وربنا يوفقه في طريقه، مكنتش عايزة ألوك في الكلام ولا أنزل لمستواهم في الفضايح، لأن القوة الحقيقية في الأدب اللي بيخرس قلة الأدب.
بعد صلاة العشا، بيتنا كان مليان. بابا كان قاعد في صدر الصالة، وجنبه عمي إبراهيم وخالي عصام، واتنين من كبارات حتتنا المشهود ليهم بالحق والعدل. وعلى الناحية التانية، دخل خال طارق، وراجل كبير من قرايبهم، ومعاهم طارق وأمه! طارق كان داخل لافف شاش أبيض حوالين دراعه، عامل نفسه مشلول، وماشي يتكعبل وعينه في الأرض. وأمه داخلة نافشة ريشها ووشها يطق شرار.

أنا كنت قاعدة جوة في أوضة الصالون الصغيرة، الباب موارب وشايفة وسامعة كل كلمة، ومكنتش خايفة ولا مهزوزة.
خال طارق بدأ الكلام بالهداوة يا حاج أحمد، إحنا أهل وجيران وعشرة عمر، واللي حصل ده شيطان دخل بين العيال، وإحنا جايين نقعد قعدة رجالة ونشوف إيه اللي وصل الأمور لكده بعد ما خلاص الفرح على الأبواب؟

عمي إبراهيم رد عليه بحسم اللي وصل الأمور لكده يا حاج إسماعيل إن ابنكم وأخته نسوا الأصول، وطمعوا في عرق البنت، وحاولوا يلووا دراعها بفسخ الخطوبة عشان تسلمهم شقاها وغربتها في المحلات عشان يشطبوا شقتهم، ولما البنت وقفت وقالت لأ، اتقالها هفضحك بسنك وكسرك للتلاتين!
خال طارق اتفاجئ، وبص لطارق وأمه وقال الكلام ده حصل يا طارق؟ إنت قلت كده لخطيبتك؟
طارق وشه جاب ألوان وحاول يلف ويدور يا خالي ده سوء تفاهم، أنا كنت بقولها إحنا واحد ومفيش فرق بينا، والفلوس اللي معاها كانت هتدخل في بيتنا، وكنت بهزر معاها في حكاية السن دي!

هنا بقى أنا مقتدرتش أسكت أكتر من كده. فتحت الباب وخرجت. وقفت في الصالة بكامل هيبتي ولبسي المحتشم، راسي مرفوعة، وبصيت في عين الكل. حماتي أول ما شافتني بصتلي بقرف، بس أنا اتجاهلتها تماماً وبصيت لخال طارق ولقريبه الراجل الكبير
مساء الخير يا حاج إسماعيل.. طارق مكنش بيهزر. طارق اتصل بيا وهددني، وقالي الصنايعية واقفين ولو المية ألف جنيه ما نزلوش بكرة في حسابي، الفرح هيتلغي وهفضحك وأخلي سيرتك على كل لسان بإنك كاسرة التلاتين ومحدش هيرضى بيكي بعدي. وأمه قبلها اتصلت وحلفتني ما أقولش لبابا عشان صورة ابنها ما تتهزش!
طلعت الموبايل من جيبي وحطيته على الترابيزة قدامهم.

وده تسجيلي للمكالمات.. برنامجي بيسجل تلقائي، والتسجيل بصوت طارق وهو بيهدد وبصوت والدته وهي بتقولي اوعي تقولي لأبوكي!
الترابيزة سكتت تماماً. طارق اتنفض وعينه برقت برعب، وأمه وشها اصفر وبقت تفرك في إيديها. خال طارق بص في الأرض من الخزي والعار، الراجل الكبير اللي معاهم خبط كف بكف وقال بصوت واطي لا حول ولا قوة إلا بالله.. خبتوا وخيبتوا أهاليكم!
كملت كلامي

وصوتي كان ثابت زي السيف أنا دخلت الجمعية دي بشقايا ووقفتي على رجلي من الصبح لليل، كنت بصرف على نفسي وبساعد أهلي ومش مخلية طارق محتاج يجيبلي حاجة من مصاريفي، لكن الطمع لما يعمي القلوب بيخلي الإنسان ميعرفش ربه. دهبكم أهو..
حطيت علبة الدهب على الترابيزة، ومعاها قسيمة الشرا وفاتورة المحل بالجرامات. الدهب بالجرام، وفوقيه فواتير كل الهدايا القيمة اللي جابها، مع إني مجبتش فواتير الحاجات اللي أنا جبتها له في أعياد ميلاده ومناسباته من مرتبي عشان أنا بنت أصول وما بعدش ورا اللي دخل بيتي.

خال طارق رفع عينه وبص لبابا بإحراج يهد جبال وقال حقكم علينا يا حاج أحمد.. إحنا اللي غلطانين، وبنتك ست البنات وبنت أصول ومتربية، واللي حصل ده عيب في حقنا إحنا قبل ما يكون في حقكم. الدهب بتاعنا أهو، وحق بنتك وكرامتها فوق راسنا، والخطوبة دي منتهية بإحسان زي ما بدأت بمعروف.
حماتي قامت وقفت تزعق إيه اللي منتهية دي يا أخويا؟! وابني وعربيته اللي اتخبطت ومصاريف علاجه؟! مش هما السبب فيها؟!

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى