“هنا، حسام مكنش قادر يستحمل أكتر من كده. الدم اتحبس في وشه، وقرر يتدخل بغباء وبصوت مترعش وعالي شوية عشان يثبت وجوده: — “أ.. أهلاً يا مروان بيه.. أنا حسام الشناوي، شريك في… يعني صاحب شركة الشناوي للاستشارات العقارية، وكنا لينا مشاريع…”مروان التفت ليه ببطء، وبص له نظرة فوقية سريعة من فوق لتحت، كأنه بيحاول يفتكر هو مين، وبعدين قال ببرود وقسوة غير مقصودة: — “آه.. حسام بيه.. أيوة سمعت عن شركتكم الصغيرة.. بس للأسف السياسات الاستثمارية بتاعتكم قديمة شوية ومقدرتش تنافس في الطرح الأخير بتاع العاصمة الإدارية.
. عيبكم إنكم لسه عايشين في دماغ التسعينات.”مروان كمل كلامه وبص تاني لمنى وآدم بابتسامة واسعة: — “عن إذنكم يا جماعة، لازم نقعد سوا قريب عشان عندنا شغل كتير.”مروان مشي وساب حسام واقف في مكانه، كأن البلاط اتشق وبلعه. رانيا بصت لجوزها نظرة كلها احتقار وقالت بصوت واطي جارح: — “هي دي الشركات اللي بالملايين اللي كنت عامل عليها فرح وبتتمنظر بيها قدام الناس؟ طلعت أضحوكة قدام جوز الست اللي كنت لسه بتقل منها!
“حسام حس بوجع في صدره، ودار بعيونه في القاعة لقى كل زمايله بيبصوا له بنظرات همس وشماتة، بينما منى كانت بتتحرك في القاعة برقة وهدوء كأنها ملكة الليلة دي عن استحقاق، مديّة ظهرها لكل الماضي وكل كلامه الفارغ.……………القاعة هديت شوية لما الموسيقى الهادية اشتغلت، والكل كان مشغول بالحديث الجانبي، لكن عيون الناس كانت لسه مراقبة منى وآدم وهم واقفين على ترابيزة هادية في ركن القاعة. رانيا صفعت شنطتها السود غصب عنها، وبصّت لحسام وقالت بصوت مسموع ومتهدج من كتر الغيظ: — “أنا ماشية يا حسام.
. كفاية فضايح لحد هنا، شكلك بقى في الأرض قدام زمايلك!”حسام حاول يمسك إيدها، بس هي سحبتها بعنف وسبته واقف لوحده وسط القاعة. حسام بص حواليه، لقى زمايله القدامى اللي كان بيبتسم لهم من دقايق، بيبعدوا عن طريقه أو بيبصوا له بنظرات كلها سخرية واستهزاء. حس كأن الهوا اتقطع حواليه، وقرر ينسحب في سکوت ومن غير ما يبص وراه، كأنه هربان من ميدان معركة خسرها بكل جدارة.
في الناحية التانية، على ترابيزة منى وآدم، الأجواء كانت هادية ودافية تماماً. آدم بص لمنى اللي كانت عينيها بتلمع بانتصار حقيقي ومريح، ومد إيده مسك إيدها بحنان وقال بصوت هادي: — “زعلانة إن الليلة بوظت السهرة بتاعتكم؟”منى بصتله وابتسمت ابتسامة صافية من قلبها، وقالت وهي بترجع شعرها لورا: — “بالعكس يا آدم.. دي أحلى هدية كنت ممكن أخدها.”آدم رفع حاجبه باستغراب لطيف: — “هدية؟”— “أه.. حسام كان دايماً مفهممني إني لو مشيت من حياته هموت وأختفي.. وإني من غيره ولا حاجة.
الليلة دي بس، قدرت أقفل الصفحة دي رسمي، وأعرف إن السنين اللي راحت دي كلها ما كانتش ضايعة، دي كانت البناء الحقيقي للي أنا فيه دلوقتي.”آدم ضحك بخفة وبص لعينيها باهتمام: — “عارفة؟ حسام غبي.. ضيع جوهرة من ايده لمجرد إنه كان خايف يلمع جنبها.”منى بصت ناحية الباب اللي حسام خرج معاه، وبعدين رجعت بصرها لآدم، وقالت بثقة وهي بترفع كوباية العصير: — “مش خسارة.. دي كانت مجرد مقدمة لحياة أحسن بكتير.
“وقبل ما آدم يرد، لمعت في عيون منى ومضة طموح قديمة بس بنسخة أقوى وأرشق، وقالت بهمس وهي بتبتسم: — “قولي بقى.. كنت بتقول إيه عن الشراكة الجديدة في مشروع العاصمة؟”ضحك آدم بصوت عالي ملا القاعة، وابتديت صفحة جديدة، مش مجرد نجاح… دي كانت بداية الإمبراطورية اللي ما حدش يقدر يوقفها تاني. تمت…
