لسه بتلبسي كده يا منى؟ كأنك بتحاولي تستخبي من الناس؟”
صوت حسام الشناوي دوّى في قاعة الأفراح الكبيرة بفندق فخم على كورنيش النيل في القاهرة، لدرجة إن كذا واحد من زمايلهم القدامى وقفوا كلام وبصوا ناحيتهم. منى عبدالرحمن كانت لسه داخلة حفلة لمّة دفعة الثانوية بتاعتهم من حوالي ربع ساعة، وما لحقتش حتى تسلّم على كل الناس، إلا وحسام وقف جنبها عند ترابيزة المشروبات، وبص على فستانها الأسود البسيط، وابتسم ابتسامة مستفزة كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
قال وهو بيضحك:
— “بصراحة يا منى، كنت متوقع أشوفك بشكل مختلف بعد كل السنين دي.”
منى بصتله بهدوء، وحطت كوباية العصير على الترابيزة.— “مش فاهمة… يعني إيه بشكل مختلف؟”
ضحك حسام وبص لمراته التانية رانيا، اللي كانت واقفة جنبه بفستان سهرة لامع، وكأنها مستمتعة باللي بيحصل.— “ما إنتِ كنتِ زمان واحدة طموحة أوي. فاكرة؟ كنتِ بتتكلمي عن الشغل والنجاح والمستقبل طول الوقت.”
سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة فيها شماتة:
— “بس بعد طلاقنا اختفيتي خالص. واضح إن الحياة ما مشيتش معاكي زي ما كنتِ مخططة.”
اتنين من زمايلهم بصوا لبعض بإحراج، لكن محدش اتدخل.
خصوصًا إن حسام كان طول السهرة بيتكلم عن شركته للاستشارات العقارية، وازاي شغله كبر وبقى عنده مشروعات في القاهرة والعين السخنة والساحل. منى كانت عارفة هو بيعمل إيه بالظبط. من عشر سنين، كانت متجوزة حسام. وفي البداية كانت فاكرة إن حياتهم هتكون مستقرة. لكن مع الوقت، بدأت تكتشف إن حسام كان شايف إن طموحها مشكلة، وإن أي نجاح تحققه لازم ييجي بعد شغله هو.
كانت وقتها شغالة في مجال الاستثمار وإدارة المشروعات، وكان عندها فرصة حقيقية إنها تعمل لنفسها اسم. لكن حسام كان دايمًا يقول لها:
— “إنتِ عايزة تعملي كل حاجة مرة واحدة ليه؟ بيت وجواز وشغل؟ أكيد حاجة منهم هتبوظ.”
ولما طلب منها أكتر من مرة إنها تسيب شغلها علشان تركز معاه، رفضت. والخلافات زادت. لحد ما حصلت الخناقة الأخيرة. قال لها وقتها ببرود:
— “الست اللي عايزة تنجح في شغلها وتبقى ناجحة في بيتها في نفس الوقت، في الآخر بتفشل في الاتنين.”
الجملة دي عمرها ما راحت من دماغ منى.
لكنها رغم وجع الطلاق، عمرها ما ندمت إنها مشيت. حسام قرب منها أكتر وقال:
— “تعرفي إيه المضحك؟”
منى بصتله من غير اهتمام.— “إيه؟”
— “إنك زمان كنتِ بتقوليلي إني هاندَم يوم ما أقلل منك.”
ابتسم بثقة، ورفع كوباية العصير.— “بس أنا واقف هنا بعد عشر سنين، شركتي كبرت، وعندي شغل بالملايين… وإنتِ داخلة الحفلة لوحدك.”
منى سكتت ثواني. وبعدين قالت بكل هدوء:
— “أنا مش لوحدي.”
حسام رفع حاجبه.— “يعني إيه؟”
— “جوزي اتأخر شوية.”
ضحك حسام بصوت عالي.— “جوزك؟!”
وبص لرانيا، فضحكت هي كمان.— “إنتِ اتجوزتي؟”
— “آه.”
حسام رفع كوباية العصير مرة تانية وقال بسخرية:
— “مبروك طبعًا. بيشتغل إيه بقى؟”
منى بصت ناحية باب القاعة.— “في مجال التكنولوجيا.”
حسام ضحك باستخفاف.— “تكنولوجيا؟ يعني إيه؟”
وبص للي حواليه وقال:
— “الكلمة دي واسعة أوي. ابن أختي بيصلح لابتوبات، ونقدر نقول عليه شغال في التكنولوجيا.”
ضحك كام شخص ضحكة محرجة. منى ما ردتش. لكن في اللحظة دي…باب القاعة الكبير اتفتح. دخل راجل طويل، لابس بدلة رمادي غامق، وبيتكلم بهدوء مع منظم الحفل وهو بيعتذر عن تأخيره. أول ما دخل، واحد من الموجودين عند الباب بصله كويس.
وشه اتغير. همس للي جنبه:
— “استنى… هو ده مش آدم السيوفي؟”
الشخص التاني بص ناحية الباب.— “آدم السيوفي؟ صاحب مجموعة السيوفي للتكنولوجيا؟”
الهمس بدأ ينتشر في القاعة. ناس قامت من أماكنها. وواحد من رجال الأعمال الموجودين في الحفلة قرب من صاحبه وقال:
— “ده مش صاحب الشركة اللي دخلت في شراكة مع أكبر شركات الاتصالات؟”
أما حسام…فابتسامته اختفت تمامًا. فضل واقف مكانه مش قادر يتكلم. لأن آدم السيوفي، واحد من أشهر رجال الأعمال في مجال التكنولوجيا في مصر، كان داخل القاعة.
..وماشي مباشرة ناحيتهم. منى لأول مرة من بداية الليلة ابتسمت. آدم وصل عندها، ومد إيده لها بهدوء. وقال:
— “معلش إني اتأخرت عليكي.”
منى ابتسمت:
— “ولا يهمك.”
آدم بص لحسام للحظة، وبعدها مد إيده له بكل هدوء.— “آدم السيوفي.”
حسام فضل ساكت. وبعدين بص لمنى.— “إنتِ…”
ابتسم آدم وقال ببساطة:
— “أنا جوز منى.”
سادت القاعة لحظة صمت كاملة. لكن المفاجأة الحقيقية…لسه ما بدأتش.………………آدم مد إيده ومسبهاش في الهوا، فاضطر حسام يمد إيده بتوتر وهو بيبتلع ريقه، وصوته طلع متهدج ومش مضبوط: — “أهلاً.
.. حسام الشناوي. زميل قديم لمنى.”آدم ابتسم بهدوء وهز راسه: — “أهلاً بيك يا بشمهندس. منى كانت لسه بتكلمني عنك وعن أيام الثانوي.”حسام حس إن الدم ضرب في دماغه، وكلمة “زميل قديم” وجعته كأنه اتضرب بالقلم قدام مراته وكل زمايله اللي كانوا بيبصوا عليهم من بعيد وهمامسهم بتعلو. رانيا مرات حسام قربت بخطوات متوترة وحبت تنقذ الموقف، فقالت بصوت مصتنع فيه الدلع: — “يا هلا بحضرتك يا فندم… إحنا فعلاً سمعنا عن مجموعة السيوفي كتير، بس بصراحة ما كناش نتخيل إن مدام منى.
..”وقفت الجملة في حلقها وهي مش عارفه تكمل، فبصت لمنى بنظرة كلها صدمة وغيظ. منى مادت إيدها وعدلت كشكش فستانها ببرود تام، وقالت بصوت هادي وواثق: — “منى مالها يا رانيا؟ كنتِ بتقولي حاجة؟”آدم بص لمنى بحب ظاهر وعيونه لمعت بابتسامة دافية، وبعدين حط إيده باسترخاء في جيوب بنطلونه وبص لحسام اللي كان عرقان رغم تكييف القاعة العالي: — “غريبة يا بشمهندس حسام.. منى وهي بتتكلم عن نفسها، عمرها ما قالت إنها كانت متجوزة شخص بيدي أحكام جاهزة على شغل الستات والطموح! دي دايماً كانت بتقول إن طلاقكم كان أكبر مكسب جه في وقتها عشان تفوق لنفسها.
“حسام حس إن الكرسي بيتسحب من تحت رجليه. بص لمراته رانيا اللي عينيها بقت تلم معاتبة ليه، وبص للناس اللي حواليه اللي بدأت الحركات والهمسات تكتر بينهم. حسام حاول يجمع شتات نفسه ويرجع الغرور الصطناعي لصوته، فقال بتريقة سمجة: — “أه… طبعاً.. ما هو سهل أوي الإنسان ينجح ويركب الملايين لما يلاقي اللي يشيل عنه، مش كدة ولا إيه يا سيادة المستشار؟ ولا يمكن هي ما حكتش لك إنها كانت قاعدة من غير شغل سنين بعد ما انفصلنا؟”القاعة كلها سكتت دفعة واحدة. حسام كان بيلعب لعبته الأخيرة، بيحاول يكسر منى قدام جوزها الجديد والناس.
رانيا نفسها بصت لجوزها بخضة من طريقته الفجة. بس رد فعل آدم كان غير متوقع تماماً. آدم ضحك بصوت هادي، وبص لحسام بنظرة شفقة واضحة مش استهزاء: — “واضح فعلاً إنك متعرفش منى كويس يا حسام بيه.. السنين اللي بتقول إنها قعدت فيها من غير شغل، دي الفترة اللي منى أسست فيها شركتها الأولى للاستثمار التقني، ومن غير ولا مليم مساعدة من حد.. ولما تقاطعت طريقتنا مع بعض من سنتين، ما كانتش هي اللي بتدور على حد يشيل عنها، دي كانت الشريكة الاستراتيجية اللي أنقذت تلت مشاريع كبرى لينا من الخسارة بخبرتها ودماغها اللي بوزن بلد.
“منى بصت لآدم وابتسمت بحب حقيقي، وحطت إيدها بهدوء في إيده وهي بتقول: — “الحياة مش بتخلص بطلاق يا حسام.. دي مجرد نقطة أولى للي يفهم.”حسام وقف مسمّر مكانه، مش عارف ينطق حرف واحد، وكوباية العصير وقعت من إيد رانيا على الأرض وتناثرت على جزمتها الغالية، بس مفيش حد اهتم.. لأن منى سابتهم وغرورهم وراها، وخدت آدم ودخلت وسط زمايلهم اللي جريوا عليها يرحبوا بيها باحترام حقيقي مش مزيف، عشان تفضل هي النجمة الحقيقية في الليلة دي، وهو يفضل واقف في مكانه، حاسس إنه أصغر بكتير من كل الكراسي اللي حواليه.
………….حسام وقف مبلوع في حلقه الريق، عيونه متثبتة على منى وآدم وهم بيبعدوا عنه بخطوات ثابتة وواثقة، وكل أنظار القاعة بقت متسلطة عليه هو ورانيا اللي وشها بقى أصفر من الفضيحة والكسفة. في اللحظة دي، وقبل ما حسام يلحق يلم نفسه أو يقول كلمة واحدة تبرر منظره قدام مراته وزملايله القدامى، دخل القاعة شخص تاني بصوت خطواته الواثقة. ده كان “مروان النحاس”، واحد من أكبر المستثمرين في قطاع العقارات والإنشاءات في مصر، وهو شخصياً صاحب الشركات اللي حسام كان لسه من دقايق بيتباهى قدام الكل إنه نافسهم في مشروع الساحل الشمالي الأخير.
مروان شاف آدم السيوفي واقف مع منى، فوقف فجأة وابتسم بحماس، وجه ناحيتهم ومرّ من جنب حسام كأنه مش أكتر من “كرسي” موجود في السكة. قال مروان بصوت عالي نسبياً لفت انتباه القاعة كلها: — “آدم بيه! مش معقول الصدفة دي! كنت لسه بكلم فريق المبيعات من ساعة عن العقود الجديدة اللي هندخلها شراكة مع مجموعة السيوفي.”آدم ابتسم وسلّم عليه بحرارة: — “أهلاً يا مروان بيه.. منور الحفلة. أحب أعرفك، مراتي منى عبدالرحمن.”مروان اتسع عينيه بذهول محترم، وبص لمنى باهتمام حقيقي وقال: — “مدام منى؟! مش معقول!
حضرتك العبقريّة اللي كانت وراء دراسة جدوى مشروع الـ Smart Cities الأخير اللي آدم بيه عرضه علينا الشهر اللي فات؟! ده أنا لفيت مصر كلها عشان أقابل المستثمرة اللي حطت الفكرة دي ومكنتش عارف أوصلك!”منى ابتسمت بهدوء، وردت بثقة: — “متشكرة جداً يا مروان بيه، هي فكرة بسيطة وكل التميز كان لتنفيذ فريق العمل.”مروان هز راسه بإعجاب: — “بسيطة إيه بس دي هزت السوق كله! ده أنتم كدة ناويين تكتسحوا السوق العقاري والتكنولوجي لوحدكم.