حاجة!
لكن قبل ما يلحق يوصل، آدم كان داس على زرار صغير كان في إيده، ومسؤول الصوت بطبيعته المهنية اتعامل مع الإشارة، وظهرت على الشاشة العملاقة خلف المسرح واجهة ملفات واضحة لكل الحاضرين.
الملف الأول كان فيديو مسجل بصوت وصورة لوالد كريم الراحل، الله يرحمه.
الجزء الثابت اعتراف الأب
ظهر الأب على الشاشة وهو قاعد في مكتبه القديم، وصوته كان متعب بس نبرته كانت حاسمة ومليانة مرارة لو الفيديو ده اتفتح، معناه إن ابني كريم كمل في طريقه الغلط، وإن طمعه عامه لدرجة إنه دمر بيته وعيلته..
الفلوس اللي في الحساب السري مش مجرد أموال غير مشروعة، دي أموال قضايا اتلاعب فيها بالاتفاق مع داليا وهي لسه بتتدرب في المكتب، وثائق سرية لشركات كبرى اتسربت لمنافسين مقابل ملايين اتحولت لحسابات بريطانية باسمهم الاتنين قبل حتى ما يطلق مراته.
القاعة كلها طلعت صوت صدمة جماعي. الكاميرات والهواتف في إيد الحضور رفعت بسرعة لتصوير الشاشة.
داليا انهارت تمامًا وقعدت على كرسي جنب الترابيزة وهي بتعيط بصوت عالي، بينما كريم سقط على ركبه في نص المسرح، وكل غروره وتكبره اتدمروا في ثواني.
بصيت لآدم، لقيته بيبص لأبوه نظرة كلها ثقة وكرامة، وطفل عنده عشر سنين قدر يعمل اللي أنا عجزت أعمله شهور طويلة رجعلنا حقنا، وكسر شوكة الغرور والإهانة.
الجزء الثامن سقوط الإمبراطورية
السكوت اللي ساد القاعة بعد عرض الفيديو مكنش سكوت عادي، ده كان سكوت العاصفة اللي بتسبق الانهيار التام. الصحفيين ورجال الأعمال مبقوش يصدقوا اللي بيشوفوه ويسمعوه. كاميرات الهواتف كانت بتصور كل تفصيلة داليا وهي منهارة تمامًا وماسكة فستانها وبتعيط بأسى، وكريم اللي كان لسه من دقايق رافع كاس الشامبانيا بزهو، وبقى دلوقتي قاعد على الأرض بلا أي حول ولا قوة.
شريف، شريك كريم في مكتب المحاماة، تقدم بخطوات بطيئة ووجهه ملامحه كلها غضب وصدمة. بص لكريم وقال بصوت عالي سمعه الكل
يعني كل القضايا اللي خسرناها السنة اللي فاتت، والعملاء الكبار اللي سابونا فجأة… كان بسببكم أنتم الاتنين؟ بيعتوا الشغل والمكتب عشان طمعكم؟!
كريم حاول يقف على رجليه، ووجهه كان محتقن بالغضب والخزي، وبص لشريف بصوت مخنوق
شريف اسمعني، الموضوع مش زي ما هو ظاهر، دي دي مؤامرة
بس شريف قطعه بحركة بايديه وبصوت حاسم
مفيش كلام تاني بيني وبينك يا كريم.
وبكره الصبح هيكون عندي بلاغ رسمي في النيابة العامة ومجلس نقابة المحامين بكل المستندات دي!
الجزء التاسع الوداع الأخير
الناس بدات تنسحب من القاعة بسرعة. الفرح الفخم اللي كلف مئات الآلاف اتقلب في أقل من ساعة لمأساة قانونية ومهنية كاملة. داليا قامت وهي بتجري لبره القاعة، هربًا من نظرات الجميع وعدسات الكاميرات اللي كانت بتلاحقها في كل مكان.
أما كريم، فبص لينا أنا وآدم. كانت عيونه مكسورة وبتترجاني بحاجة مكتومة، كأنه بيلتمس أي ذرة عطف أو رحمة. قرب منا بخطوات بطيئة، ووطى لغاية ما وبقى في مستوى نظر آدم.
آدم يا حبيبي أنا ابوك إزاي قدرت تعمل فيا كده؟
آدم مابعدش عيونه عن عيون أبوه، وبكل هدوء وثبات طفل مستند على الحقيقة والكرامة، رد بصوت نبرته أعمق بكتير من سنين عمره
جدو الله يرحمه علمني إن الراجل الحقيقي هو اللي بيحمي بيته وعيلته، مش اللي بيبيعهم عشان طمعه وواحدة تانية. إنت اللي اخترت تنهي كل حاجة يا بابا.
كريم سكت. مكنش عنده أي رد يقوله. الكلام وقف في حلقه، ووقف مكسور العينين ومش عارف حتى يبص في وشنا تاني.
الجزء العاشر بداية جديدة
سحبت إيد آدم بهدوء، ومشينا خارجين من قاعة الفندق الكبيرة.
الهواء البارد بتاع ليل القاهرة خبط في وجوهنا، حسيت بروحي بترجعلي، وبأن الثقل اللي كان على صدري طوال ال شهر اللي فاتوا انزاح أخيرًا.
ركبنا العربية، وبصيت لآدم وهو قاعد جنبي على الكرسي الخلفي، هادي ومبتسم بهدوء. مسكت إيده وبصيت له بعيون مليانة فخر ودموع الفرح
تعرف يا آدم؟ أنا فخورة بيك أكتر ما تتخيل. إنت مش بس رجعت حقنا، إنت بنيت لنا بداية جديدة بالكامل.
آدم سند راسه على كتفي وقال بصوت دافي
عشان أحنا نستاهل الأحسن يا ماما، والماضي خلاص انتهى.
دُوّرت عربيتي، وسقنا بعيد عن فلاشات الكاميرات وصخب القاعة، رايحين لبيت جديد وحياة جديدة نضيفة، مفيهاش مكان للغدر ولا الخداع