منوعات

من وقت الخطوبة

كتب
أنا مش بجيبها عشان لازم. أنا بجيبها عشان نفسي أفرحك.
وقتها ابتسمت.
وكتبتله
هاتلي فستان أسود زي اللي شوفناه سوا.
رد
المقاس؟
ضحكت.
كتبت
أخيرًا بقيت تعرف.
رد
اتعلمت.
وبعد أسبوع وصلتني الهدية.
فستان.
ومعه جواب صغير.
فتحت الجواب.
كان كاتب
لأول مرة أفهم إن الإنسان اللي بيحبنا مش لازم يطلب عشان نستحق إننا نسأل عليه. سامحيني إني احتجت أخسرك من جوايا عشان أفهم قيمتك.
دموعي نزلت.
لكن الأجمل إن سامح ما رجعش بس يعاملني كويس.

هو كمان بدأ يراجع علاقته بأهله.
مش قطعهم.
ولا حرمهم.
لكن حط حدود.
لأن بر الوالدين شيء.
وإهمال الزوجة شيء تاني.
وفي يوم كنت عند حماتي، لقيت سلفتي داخلة ومعاها شنطة.
حماتي قالت
سامح بعتلك حاجة؟
قالت
لأ، جوزي هو اللي جابهالي.
حماتي ابتسمت.
وبصت لي.
وقالت
ابني شكله علمنا درس.
ابتسمت.
قلت
كلنا بنتعلم.
سكتت شوية.
وبعدين قالت
أنا كنت فاكرة إنك لما بتقولي مش محتاجة يبقى فعلًا مش محتاجة.

قلت
وأنا كنت فاكرة إن السكوت يخلي الناس تحبني أكتر.
قالت
طلعنا الاتنين غلطانين.
ضحكت.
وكانت دي أول مرة أحس إن حماتي بتكلمني من غير منافسة.
بعدها بأيام سامح بعتلي رسالة طويلة.
قال فيها إنه اكتشف حاجة أثناء سفره.
إنه كان بيحاول يرضي كل الناس.
كل واحد يطلب منه حاجة كان بيجري يحققها.
لأنه كان فاكر إن ده معنى الرجولة.
لكن اكتشف إن الرجولة مش إنك تلبي كل الطلبات.
الرجولة إنك تعرف مين له حق عليك.
وتدي كل صاحب حق حقه.

وكان أنا أول واحدة ليها حق عليه.
ومع الوقت علاقتنا اتحسنت.
مش لأن سامح بقى يجيبلي حاجات غالية.
لكن لأنه بقى يسأل.
أكلتي؟
محتاجة حاجة؟
إيه اللي مضايقك؟
إيه اللي نفسك فيه؟
عايزة نخرج فين؟
أسئلة بسيطة.
لكن بالنسبة لي كانت أغلى من أي هدية.
وبعد سنة رجع من السفر نهائي.
دخل البيت ومعاه شنطة صغيرة.
قلتله
جبت إيه؟
قال
حاجة ليكي.
فتحتها.
لقيت فيها سلسلة بسيطة جدًا.
علقت عيني عليها.
قال
فاكرة أول مرة رفضتي العيدية؟
ضحكت.

آه.
قال
المرة دي مش هديها لك.
استغربت.
أمال؟
طلعها وحطها في إيدي.
دي حقك.
قلت
حق إيه؟
قال
حق كل مرة قلتي فيها إنت أولى وأنا مش محتاجة.
دموعي نزلت.
قال
وحق كل مرة احتجتي فيها حاجة وخفتي تطلبي.
وقتها حضنته.
لكن وأنا في حضنه قلتله
سامح؟
نعم؟
أنا كمان غلطت.
بعد عني وبصلي.
في إيه؟
قلت
أنا كنت فاكرة إن الحب معناه إني ماطلبش.
هز راسه.
وأنا كنت فاكر إن الحب معناه إن اللي قدامي لو محتاج هيقول.
ابتسمت.

قلت
يعني إحنا الاتنين كنا مستنيين التاني يفهم من غير كلام.
قال
وعشان كده تعبنا.
ومن يومها اتفقنا على حاجة.
مفيش في بيتنا جملة اسمها أنا مش محتاجة إلا لو فعلًا مش محتاجة.
ومفيش حد يخاف يطلب.
ومفيش حد يعتبر السكوت موافقة.
وبعد فترة بنتنا الصغيرة سألتني وهي شايفاني بشتري هدية لأبوها
ماما، ليه بتجيبي لبابا هدايا؟
ضحكت.
وقلتلها
عشان بحبه.
سألتني
وبابا بيجيبلك؟
بصيت لسامح.
ابتسم وقال
طبعًا.
ضحكت بنتي وقالت
يبقى إنتوا الاتنين بتحبوا بعض.
سامح بصلي.

وقال
أيوه.
وقتها فهمت إن الحب الحقيقي مش إن طرف يدي طول الوقت والتاني ياخد.
ولا إن واحدة تضحي لحد ما تختفي.
الحب إن الاتنين يشوفوا بعض.
يسمعوا بعض.
يسألوا بعض.
وما يستهونوش باحتياج صغير ممكن يتحول مع الوقت لجرح كبير.
أنا ما كنتش عايزة الموبايل.
ولا الفستان.
ولا البرفان.
أنا كنت عايزة أشوف اسمي في حساباته زي ما كنت شايفة أسماء كل الناس.
كنت عايزة أحس إني مش مضمونة لدرجة إن وجودي ما يحتاجش سؤال.
وفي النهاية عرفت إن أكبر غلطة عملتها مش إني رفضت العيدية.

أكبر غلطة كانت إني علمت اللي قدامي إن احتياجاتي دايمًا ممكن تستنى.
وإن وجعي دايمًا ممكن يتأجل.
وإن حقي ممكن أتنازل عنه عشان أبان طيبة.
لكن الطيبة اللي تخليك تختفي من حياة اللي حواليك مش طيبة.
دي قسوة على نفسك.
ومن يومها بقيت لما أحتاج أقول.
ولما أزعل أتكلم.
ولما أفرح أشكر.
ولما أرفض حاجة أرفضها عشان مش عايزاها، مش عشان خايفة أكون حمل.
أما سامح، فكل ما أقول له
مش لازم تجيبلي حاجة.
يضحك
ويقول
عارف.
وأستغرب.
فيقول
بس المرة دي أنا هقرر لوحدي.

وأضحك.
وفي مرة كنا قاعدين سوا، قلتله
فاكر سلفتي لما قالتلي إنك جبتلها الموبايل لأنها طلبته قبلي؟
سكت شوية.
وبعدين قال
فاكر.
قلت
أنا وقتها حسيت إني مالياش قيمة.
مسك إيدي وقال
وأنا كل ما أفتكر الموقف ده أزعل من نفسي.
قلت
خلاص.
قال
لأ، مش خلاص.
بصلي.
لازم نفتكر عشان ما نرجعش لنفس الغلطة.
ابتسمت.
مش هنرجع.
قال
وعد؟
قلت
وعد.
ومرت الأيام.
وفي ذكرى جوازنا، سامح حط قدامي ظرف.
ضحكت وقلت
إيه ده؟

قال
افتحيه.
فتحته.
لقيت فيه عيدية.
ضحكت بصوت عالي.
بعد كل السنين دي؟
قال
أيوه.
إنت مجنون؟
قال
دي مش فلوس.
استغربت.
أمال؟
قال
دي تذكرة سفر.
بصيت له.
فين؟
قال
مكان بتحلمي تروحيه من زمان.
اتصدمت.
إنت فاكر؟
قال
أنا بدأت أفتكر كل حاجة.
ضحكت ودموعي نزلت.
قال
المرة دي أنا اللي هقولك إنتي أهم.
قربت منه.
وقلت
لأ.
استغرب.
قلت وأنا بضحك
إحنا الاتنين أهم.
ضحك.

وقال
أهو ده الكلام.
وفي اليوم اللي سافرنا فيه مع بعض، وأنا بقفل باب بيتنا، بصيت ورايا للحظة.
افتكرت الست اللي كانت بتخاف تطلب.
اللي كانت بتفرح بأي حاجة بسيطة وتقول مش محتاجة.
اللي كانت بتشوف زوجها يدي الكل وتقول ربنا يوسع عليه.
اللي كانت بتبكي لوحدها عشان ما تحملوش همها.
وفهمت إن الست دي ما كانتش ضعيفة.
كانت بتحب.
لكنها ما كانتش عارفة إن الحب محتاج حدود.
وإن التضحية لو زادت عن حدها ممكن تخلي اللي قدامك ينسى إنك إنسانة وليكي احتياجات.
سامح مد إيده لي.

وقال
يلا؟
بصيت له.
ومسكت إيده.
يلا.
ولأول مرة من سنين ماكنتش ماشية وراه.
ولا مستنياه يفتكرني.
ولا خايفة أطلب.
كنت ماشية جنبه.
لأن اللي اتعلمناه سوا كان أكبر من حكاية موبايل أو فستان.
اتعلمنا إن البيت اللي فيه طرف واحد بس بيضحي، بيتحول مع الوقت لسجن.
وإن السكوت مش دايمًا رضا.
وإن كلمة مش محتاجة ممكن تكون أحيانًا مجرد خوف.
وإن الإنسان مهما كان محب ومخلص، لازم يفتكر نفسه.
لأن كرامتك مش أنانية.
واحتياجاتك مش عبء.

واللي بيحبك بجد مش هيحبك بس لما تكوني سهلة ومش بتطلبي.
هيحبك كمان وإنتي بتقولي
أنا محتاجة.
أنا زعلانة.
أنا تعبت.
أنا عايزة.
وساعتها بس هتعرفي إن اللي قدامك شايفك فعلًا.
شايف قلبك.
شايف تعبك.
شايف وجودك.
وشايف إنك مش مجرد شخص مضمون هيستنى لآخر القائمة.
ومن يومها كل ما سامح ييجي يجيبلي حاجة أقول له
مش لازم.
فيضحك ويقول
أنا عارف.
وبعدين يحطها في إيدي.
بس أنا عايز.
وأنا بقيت أقول له
شكرًا.
من غير ما أرفض.

من غير ما أقول له إنت أولى.
لأن الحقيقة إن الإنسان اللي بيحبك مش دايمًا محتاج منك تضحية.
أحيانًا كل اللي محتاجه منك إنك تسمحي له يفرحك.
وأنا أخيرًا فهمت.
وأخيرًا سامحت نفسي.
وسامحت سامح.
وابتدينا من جديد.
مش كزوج وزوجة بس.
لكن كاتنين اتعلموا إن أجمل حاجة في الجواز مش إنك تدي من غير حساب.
ولا إنك تاخد من غير حساب.
أجمل حاجة إنك تعرف إمتى تدي.
وإمتى تطلب.
وإمتى تقول كفاية.
وإمتى تقول أنا محتاجاك.
وفي آخر ليلة من رحلتنا، كنا قاعدين قدام البحر.

سامح سألني
مبسوطة؟
بصيت له وقلت
آه.
أكتر من الموبايل؟
ضحكت.
بكتير.
أكتر من الفستان؟
بكتير.
أكتر من السلسلة؟
ابتسمت.
آه.
سألني
أمال إيه اللي مبسطك؟
بصيت له وقلت
إنك أخيرًا عرفت تسألني.
ابتسم.
ومسك إيدي.
وقال
وأنا أخيرًا عرفت إنك تستاهلي يتسأل عنك قبل ما تطلبي.
سندت رأسي على كتفه.
وفي اللحظة دي حسيت إن كل الوجع اللي فات ما راحش هدر.
لأنه علمني درس عمره ما هيروح من بالي
ما تستنيش حد يعرف احتياجاتك من سكوتك.

وما تربيش اللي بتحبيه على إنك دايمًا مش محتاجة.
لأن اللي بتحبيه ممكن يصدقك.
وساعتها يوم ما تحتاجي فعلًا، ممكن تكتشفي إنك إنتي بنفسك علمتيه إزاي يتجاهلك.
وأنا الحمد لله فهمت الدرس قبل ما أخسر بيتي.
وفهمت كمان إن الكرامة مش إنك ترفضي كل حاجة.
الكرامة إنك تعرفي إنك تستحقي.
ولو اللي قدامك بيحبك، اسمحي له يدي.
ولو مش قادر، اتكلمي.
ولو مش مقدر، وقفي.
لكن إوعي تختفي عشان تفضلي في نظر الناس الزوجة القنوعة.

لأن القناعة شيء جميل.
لكن إنك تلغي نفسك عشان غيرك، عمره ما كان قناعة.
كان ظلم لنفسك.
وأنا انتهيت من الظلم ده.
ومن يومها، بقى عندي مبدأ واحد في حياتي
أدي بحب.
آخد بحب.
أطلب من غير خوف.
وأرفض من غير إحساس بالذنب.
وأهم حاجة…
ما أخليش سكوتي يعلم حد إني مش مهمة.
لأنني مهمة.
وإنتِ كمان مهمة.
ومتستنيش حد يفتكر
ده بعد فوات الأوان.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى