منوعات

دخلت جناحي في الفندق

الصوت كان واضح.
عمر فتح الباب.
الغرفة كانت فاضية تقريبًا.
سرير أطفال في المنتصف
وعليه طفل ملفوف ببطانية بيضاء.
عمر قرب ببطء.
الطفل كان نايم.
رفع عمر البطانية عن وجهه
وتجمد.
الطفل كان شبه آدم.
لكن في رقبته علامة صغيرة لم تكن موجودة عند آدم.
نادين شهقت
يا نهار أبيض
سلمى قالت
ده مش آدم.
عمر بص لها
إنتِ متأكدة؟
هزت رأسها.
أنا حفظت ملامح آدم من أول يوم.
وفجأة الطفل فتح عينيه.
بص لعمر.
وابتسم.

ثم قال
بابا.
عمر اتراجع.
إنت مين؟
الطفل لم يرد.
لكن يحيى دخل الغرفة، ووقف بجانب السرير.
ده ابني.
عمر بص له بصدمة.
ابنك؟!
يحيى هز رأسه.
ابني اللي اتولد من ستاشر سنة.
عمر ضحك من شدة الصدمة
ده رضيع!
يحيى قال
أيوه لأن محمود كان بيخفيه في مستشفى سري، باستخدام علاج بيوقف نموه بشكل غير طبيعي.
محمود صرخ
كدب!
لكن نادين فتحت الملف
الأسود.
وقالت
مش كدب.
وأخرجت تقريرًا طبيًا.
الطفل ده اسمه الحقيقي
توقفت.

عمر اقترب.
اسمه إيه؟
نادين بصت له.
عمر.
عمر تجمد.
إيه؟
أيوه اسمه عمر.
يحيى قال
وده سبب إن أبوك اختار اسمك أنت كمان عمر.
محمود انهار على الكرسي.
أنا كنت بحاول أحميه
عمر صرخ
تحمي مين؟!
محمود رفع عينيه.
أخوك.
ثم أضاف
أخوك الحقيقي.
فجأة الطفل مد إيده ناحية عمر.
ومسك إصبعه.
وقال بصوت طفل بريء
أخويا
عمر دمعت عينه.
لكن قبل ما يلمسه
دخل رجل من الأمن مذعورًا.
أستاذ عمر!
في إيه؟

العربية اللي جابت الست اللي قالت إنها عالية اخت.فت.
طيب؟
الرجل ابتلع ريقه.
بس المشكلة إن الكاميرات صورت مين اللي خرج بيها.
عمر سأله
مين؟
الرجل قال
الدكتورة اللي كتبت شهادة وفاة نادين.
نادين شهقت.
الدكتورة دي ماتت من خمس سنين.
وفي نفس اللحظة
انطفأت الأنوار مرة تانية.
وجاء صوت من مكبرات الفندق
عمر لو عايز تعرف مين أمك الحقيقية، تعالى لوحدك للسطح.
ثم انقطع الصوت.
وسلمى بصت لعمر وقالت
متروحش.
لكن عمر كان قد بدأ يمشي.

لأنه سمع بعد الصوت مباشرة
صوت أمه عالية وهي بتصرخ
عمر إلحقني!عمر فضل واقف مكانه، والصورة في إيده بتترعش.
بص لنادين
إنتِ كنتِ موجودة في الصورة دي وأنا طفل ليه؟
نادين مسحت دموعها وقالت
لأن اللي حصل في الليلة دي كان لازم يفضل سر.
أي ليلة؟
مريم قاطعتها
ليلة الحريق.
عمر رفع الصورة قدامها.
بس هنا مفيش حريق أنا كنت طفل صغير، وإنتِ كنتِ مع أمي.
مريم بصت للصورة طويلًا، ثم قالت
لأن الصورة دي اتاخدت قبل الحريق بساعات.
سكت الجميع.
عمر بدأ يربط الأحداث.

يعني أمي كانت عارفة إن حاجة هتحصل؟
نادين قالت
كانت عارفة إن محمود ناوي ياخدك.
محمود صرخ
كفاية!
عمر لف له.
ياخدني فين؟
محمود سكت.
عمر قرب منه
رد!
محمود بص ناحية الطفل الموجود في الغرفة.
للمكان اللي اتولد فيه الطفل اللي محدش يعرف عنه حاجة.
عمر قال
مين الطفل؟
محمود لم يرد.
وفجأة
الطفل بدأ يصرخ مرة تانية.
لكن المرة دي كان بيبص مباشرة لعمر.
وبصوت واضح قال
المفتاح في السرير.
عمر اتجه للسرير.
رفع المرتبة.

وجد صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
فتحه.
جواه شريط تسجيل قديم.
وعليه ورقة مكتوب عليها
اسمعه لوحدك لأن الحقيقة هتخلّي كل اللي حواليك أعداء.
عمر بص لكل الموجودين.
ثم وضع الشريط في جهاز التسجيل القديم.
خرج صوت عالية.
صوتها كان مرتعشًا
لو إنت بتسمع التسجيل ده يا عمر يبقى محمود فشل يخفي الحقيقة.
عمر قرب من الجهاز.
أنا أمك لكن في حاجة واحدة عمري ما قلتها لك.
صمتت عالية لحظات.
ثم قالت
إنت مش الطفل الوحيد اللي اتولد في الليلة دي.
عمر شهق.

كان فيه طفل تاني
وفجأة توقف التسجيل.
الجهاز انطفأ.
وفي نفس اللحظة
وصلت رسالة على هاتف عمر.
فتحها.
كانت صورة حديثة.
لثلاثة أطفال نائمين في غرفة واحدة.
ياسين.
يوسف.
وآدم.
لكن تحت الصورة جملة قصيرة
واحد من التلاتة مش ابن نادين وواحد منهم مش ابن عمر.
عمر رفع عينيه ببطء.
نادين كانت واقفة قدامه.
وعلى وشها رعب حقيقي.
قالت
عمر متعملش تحليل DNA.
ليه؟

نادين همست
لأن التحليل هيكشف إن اللي ربّيته طول عمرك مش ابنك الوحيد الرجل وقف قدام عمر، والهدوء على وشه كان أغرب من أي تهديد.
عمر قرب منه خطوة.
إنت مين؟
الرجل ابتسم ابتسامة خفيفة.
أنا اللي كان المفروض تكون مكاني
من زمان.
عمر بص ليحيى.
هو مين؟
يحيى ما ردش.
محمود فجأة قال بصوت مرتعش
عماد
الرجل بص له.
لسه بتقول اسمي يا محمود؟
عمر اتصدم.
عماد؟!
يعني عماد كان قدامه من البداية؟
لكن الرجل هز رأسه.
لا.

وسحب من جيبه بطاقة قديمة، ومدها لعمر.
عمر أخذها.
الصورة كانت لرجل يشبهه تمامًا.
والاسم المكتوب عليها
يحيى محمود المنشاوي.
عمر رفع عينيه للرجل.
بس يحيى موجود هنا!
أشار ناحية الشاب الواقف بجواره.
يحيى قال
أنا مش يحيى اللي في البطاقة.
سكت لحظة.
ثم أضاف
أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
عمر حس إن دماغه هتنفجر.
طب مين فيكم يحيى؟!
المرأة اللي كانت واقفة جنب الرجل بدأت تبكي.
ثم قالت
ولا واحد فيهم.
عمر لف ناحيتها.
إنتِ عالية؟

المرأة هزت رأسها.
أنا مريم.
مريم.
الاسم اللي اتقال قبل كده.
لكن عمر لاحظ حاجة غريبة.
في رقبتها كانت لابسة نفس السلسلة اللي ظهرت في صورة أمه القديمة.
نادين شافت السلسلة، ووشها اتغير.
دي كانت مع عالية يوم الحريق.
مريم مسكت السلسلة بقوة.
وقالت
لأن عالية أعطتهالي قبل ما تختفي.
عمر سألها
فين أمي؟
مريم بصت ناحية الطفل الموجود بالغرفة.
ثم قالت
كانت هنا قبل ما يوصل محمود.
محمود صرخ
مريم، اسكتي!
مريم لأول مرة رفعت صوتها
كفاية يا محمود!

ستاشر سنة وأنا ساكتة!
ثم بصت لعمر.
أمك ما اخت.فتش لأنها كانت خايفة على نفسها.
عمر قال
أمال اخت.فت ليه؟
مريم اقتربت منه وهمست
كانت خايفة عليك أنت.
وفجأة
الطفل على السرير بدأ يصرخ.
لكن صراخه لم يكن طبيعيًا.
كان يردد نفس الجملة مرة وراء مرة
الدرج الدرج الدرج
عمر بص ليحيى.
أي درج؟
يحيى اتغير لونه.
درج مكتب أبوك.
عمر جري ناحية المكتب.
فتح الدرج القديم.
كان فاضي.
إلا من ظرف صغير جدًا.
عليه اسم واحد
نادين.

نادين قربت منه، وإيديها بدأت ترتعش.
أنا ما كتبتش الظرف ده.
عمر فتحه.
خرجت منه صورة واحدة.
الصورة كانت لعمر وهو طفل
واقف بين امرأتين.
واحدة كانت عالية.
والتانية
كانت نادين.
لكن خلف الصورة جملة واحدة قلبت كل شيء
واحدة منهما أمك والثانية أنقذتك من أمك عمر فضل ساكت ثواني، وبعدين قال
يعني إيه مش ابني الوحيد؟
نادين ما ردتش.
عمر قرب منها أكتر
نادين بصّي في عيني وقولي الحقيقة.
رفعت عينيها بصعوبة.
أنت عندك ابن تاني يا عمر.
الجملة نزلت عليه كأنها صدمة.

ابني التاني فين؟
مريم قالت بسرعة
قبل ما تسأل فين لازم تعرف إن الطفل ده اخ.تفى من نفس الليلة اللي اخت.فت فيها عالية.
عمر بص ناحية محمود.
وأنت كنت عارف؟
محمود ما قدرش يبص في عينه.
كنت عارف.
من إمتى؟
من أول يوم.
عمر انفجر
وسبتني تلات شهور أدور على سبب بكاء أولادي، وأنا عندي ابن مش عارف هو فين؟!
محمود قال
لأنك لو عرفت كانوا هياخدوك أنت كمان.
فجأة دخل أحد موظفي الفندق وهو يلهث.
أستاذ عمر لقينا حاجة في غرفة المراقبة.
عمر لف له.

إيه؟
تسجيل قديم من ليلة ولادة التلاتة.
عمر جرى ناحية غرفة المراقبة.
التسجيل اشتغل.
ظهر ممر المستشفى.
نادين كانت خارجة من غرفة الولادة، وعلى إيديها طفل.
ثم ظهر محمود.
أخذ الطفل منها.
لكن بعد ثوانٍ
ظهرت عالية في آخر الممر.
كانت تحمل طفلًا آخر.
ثم اقتربت من نادين وهمست لها بشيء.
نادين بدأت تبكي.
وفجأة ظهر رجل ثالث في التسجيل.
عمر قرب من الشاشة.
الرجل كان يحمل طفلًا ثالثًا.
لكن المفاجأة
إن الرجل كان عمر نفسه.
عمر اتراجع خطوة.

مستحيل أنا كنت جوه المستشفى!
مريم قالت بصوت مرتجف
مش أنت.
عمر بص لها.
مريم أشارت للشاشة.
ده أخوك التوأم.
وفي اللحظة نفسها، انقطع التسجيل.
وجاء صوت من خلفهم
وأخيرًا عرفتوا.
عمر التفت ببطء.
كانت عالية واقفة عند باب غرفة المراقبة.
لكنها لم تكن وحدها.
كانت تمسك بيد طفلة صغيرة.
وقالت
دلوقتي لازم تعرفوا مين فينا كانت أمك يا عمر عمر وقف قدام عالية ومريم، والطفلة الصغيرة بين إيديهما.
قال بصوت مبحوح
مين أمي؟
عالية تقدمت خطوة.
أنا.
لكن مريم هزت رأسها.

لا يا عمر اسمع الحقيقة كلها الأول.
عالية سكتت.
مريم فتحت الملف الأخير وقالت
محمود كان عنده سر أكبر من كل اللي اكتشفته. يوم ولادتك، اتولد توأمك. لكن حصلت مشكلة، ومحمود أخفى وجوده تمامًا.
عمر بص لمحمود.
ليه؟
محمود انهار وقال
لأن أخوك كان الوريث الحقيقي لكل حاجة وأنا خفت أخسره.
نادين أضافت
وعالية حاولت تهرب بيك وبأخوك. وأنا ساعدتها.
عمر فهم أخيرًا سبب الصورة.
عشان كده كنتِ معايا وأنا طفل.
نادين هزت رأسها.
أيوه. وكنت بحاول أحميك، مش أسرقك من أمك.

أما الطفل الذي وجدوه في الغرفة، فاتضح أنه ليس طفلًا مجهولًا ولا ابنًا سريًا.
كان مجرد جزء من الخطة القديمة لإجبار محمود على كشف الملفات المخفية، وكل الأوراق الخاصة بالتبديل كانت مزورة.
أما التلاتة الحقيقيين، ياسين وآدم ويوسف، فكانوا فعلًا أولاد عمر ونادين.
وكانت نادين قد أخفت الحقيقة لأنها اكتشفت أن محمود يتلاعب بالسجلات، وخافت أن يختفي الأطفال.
وفي النهاية ظهر التوأم الحقيقي لعمر.
شاب في عمره تقريبًا، يحمل نفس ملامحه.
وقف أمامه وقال
أنا يحيى.
عمر بص له طويلًا.
ثم ح.ضنه لأول مرة.
بعد أيام، اتسلمت الشرطة كل التسجيلات والملفات.

محمود اعترف بكل اللي عمله خلال الستاشر سنة، وانتهت سلطته على الفندق والعائلة.
أما عالية
فلم تعد تختفي.
رجعت تعيش مع عمر وأولاده، وعوضته عن كل السنوات اللي ضاعت.
ونادين؟
عمر لم يسامحها في
يوم واحد.
لكن لما عرف إنها خاطرَت بحياتها عشان تحميه وتحمي أولاده، بدأ يسامحها خطوة خطوة.
وفي صباح هادئ، دخل عمر غرفة أولاده.
كان ياسين وآدم ويوسف نايمين جنب بعض.
قرب منهم.
فجأة فتح آدم عينيه وقال
بابا ماما هتفضل معانا؟
عمر ابتسم، وبص ناحية نادين الواقفة عند الباب.

أيوه يا حبيبي المرة دي محدش هياخدها مننا.
نادين ابتسمت ودموعها نزلت.
ومن بعيد كانت عالية تراقبهم.
أما عمر، فكان لأول مرة منذ سنوات حاسس إن عيلته اكتملت.
ثلاثة أطفال.
أم عادت من الموت.
أخ ضاع ستاشر سنة ثم رجع.
وزوجة ظن أنها ماتت، ثم اكتشف أنها كانت تحارب في الخفاء عشان تحميه.
وفي آخر ليلة، فتح عمر الصندوق القديم مرة أخيرة.
وجد ورقة صغيرة لم يرها من قبل.
قرأها.
وكان مكتوبًا فيها
يا عمر لو وصلت للحقيقة، افتكر دايمًا إن بعض الأسرار بتتأخر لكن الحقيقة عمرها ما بتموت.

ابتسم عمر، وأغلق الصندوق.
ثم ذهب لأولاده.
ولأول مرة منذ شهور
نام البيت كله في هدوء.

انت في الصفحة 8 من 8 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى