أبويا، الراجل الطيب اللي ظهره اتدنى من الشقا عشان يجهزني ويسترني، واقَف زي الصخرة المهدودة، عينيه اتسعت على آخرها، والشيل والخير اللي كان شايله في إيديه وقع على السلم، البيض اتكسر واللبن اتدفق على العتبة، وجسمه كله بدأ يترعش بغضب مرعب عمرنا ما شفنا زيّه. أخويا الكبير “أحمد” جاب ألم في ثانية، نزل على ركبه ورفع راسي على إيده وهو بيصرخ وبيهزني: * “فتحي عينك يا سمر! مين عمل فيكي كده؟! مين اللي جرىء يمد إيده على أختي؟!”
أنا كنت سامعة أصواتهم زي ما أكون تحت المية، حاسة بكل كلمة بس جفوني كانت تقيلة زي ومش قادرة أفتح عينيا المتورمة، لساني كان ناشف ومش طالع منه غير فحيح ضعيف: “أحمد.. الحقني.. محمود وأمه..” في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات سريعة وطالعة على السلم، كانت حماتي ومحمود، طالعين ينزلوا الزيارة والخير اللي أهلي جابوه، ومكنوش متوقعين إن الباب مفتوح وإن أهلي دخلوا وشافوا المنظر ده. حماتي أول ما دخلت وشافت أبويا وأخويا واقفين، حاولت تستغبي وتعمل نفسها متفاجئة، وقفت بثبات وقسوة وقالت بكل بجاحة:
* “إيه ده! في إيه يا جماعة؟ مالكم داخلين بشركم كده؟ بتصوتوا ليه على الصبح؟” أبويا لف ليها، ولأول مرة في حياتي أسمع صوت أبويا بالشدة والقوة دي، صوته زلـ,ـزل جدران الشقة وهو بيشاور عليا: * “بشرنا؟! إنتِ بتسألي عن شرنا يا ولية يا خرفانة؟! شوفي بنتي! شوفي العروسة اللي أمانة في رقبتكم عملتوا فيها إيه! مين اللي ضـ,ـربها كده؟ مين اللي نهى عليها؟!” محمود اتنحنح ووقف ورا أمه، كان بيحاول يبان شجاع بس عينيه كانت بتروح وتيجي في الأرض وفي وش أخويا أحمد اللي كان عينيه بتطلع شرار. محمود رد بتأتأة وبصلابة مزيفة:
* “يا حاج.. دي بنتك مش متربية! جاية تتشرط علينا وترفض تنزل لبيت العيلة ومبتسمعش كلام أمي، وأنا أعدتها وعرفت أربيها، وفي بيتي وأنا حر مع مراتي!” الكلمة مكملتش في بوق محمود، أخويا أحمد قام زي الأسد المجلوع من سلاسله، ما اداش لمحمود فرصة يكمل، وبقبضة إيده نزلت على وش محمود وقعته في الممر بين المطبخ والصالة. أحمد هجم عليه ومسكه من زوره وبقى يضـ,ـرب فيه بكل قوته وهو بيصرخ: * “تضـ,ـرب مين يا ابن الكلب؟! بكتفك يا نطع تمد إيدك على واحدة ست؟! دي أختي اللي يسوى راسك وراس عيلتك!”
حماتي بدأت تصرخ وتلـ,ـطم على وشها وتصوت بصوت عالي عشان تلم الشارع والبيت: * “الحقوني يا ناس! الصعايدة دخلوا بيتي ابني! الحق يا عبد الصمد.. الحقوا محمود!” في ثواني، كان السلم مليان بنساء ورجالة منبيت العيلة والشارع، إخوات محمود نزلو يجروا ورا بعض وشالوا أحمد بالعافية من فوق محمود اللي كان وشه بقى ينزف من ضـ,ـرب أحمد. الشقة اتحولت لساحة حرب وصراخ، وأمي كانت حاضناني وبتعيط بدموع حارقة، وبتمسح الدم من وشي بطرحتها وهي بتقول:
* “حسبي الله ونعم الوكيل فيكم! أخدتوا بنتي وردة فتحة، ترجعوهالي جـ,ـثة؟! والله ما هنسيبهالكم، والله لو على رقابنا ما هتقعد في البيت النجس ده دقيقة واحدة!” أبويا كان واقف في نص الشقة، مسك عكازه ورفعه في وش الكل، صوته كان حاسم وواضح وميهبهوش حد: * “الكلام خلص! بنتي مش هتقعد هنا ثانية واحدة. وإنت يا محمود.. الشـ,ـرف والرجولة منك برية، ومعدش ليك عندنا حاجة غير الحق والشرع!” حماتي وقفت بثقة وقالت وهي بتعدل طرحتها وبتتحدى:
* “تاخدوها فين؟ دي على ذمة راجل! وما تخرجش من البيت ده إلا بإذنه، وإلا نرفع عليها قضية طاعة ونشهّر بيها في البلد كلها! وأي حاجة جوه الشقة دي، طيور أو جهاز، دي ملك البيت، ومفيش قشة تخرج من هنا!” أبويا بص لها بنظرة احتقار هزت كيانها، وقال بثبات يهد جبال: * “القوانين والبيوت ليها رجال يمشوها يا حجة.. وبنتي مش هنسيبها للكلاب تاكلها. أحمد.. شيل أختك!”
أحمد شالني بين إيديه وأنا مغمى عليا شبه غايبة عن الوعي، وأمي لفت الطرحة حوالين جسمي، وأبويا مشى قدامنا يفتح الطريق وسط أهالي البلد اللي اتجمعوا تحت البيت وكلهم مبلمين ومصدومين من شكل العروسة اللي طالعة متقطعة بالضـ,ـرب. حماتي وإخوات محمود قعدوا يصرخوا ويهددوا من البلكونة، ومحمود واقف وراهم ماسك وشه وبينزف، عينيه مليانة غيظ وغدر. نزلوني وركبوني العربية، وساق أخويا بسرعة رهيبة على مستشفى المركز. هناك، الأطباء والممرضات اتلموا عليا، ودخلت غرفة الطوارئ، وكانت التقرير الطبي هو الصدمة التانية اللي استنت أهلي..
التقرير كشف عن ارتجاج خفيف في المخ، وكسر في ضلعين من القفص الصدري، وكدمات ساطعة في كل شبر من جسمي، وقطع محتاج خياطة في فروة الراس. أبويا كان قاعد بره الغرفة، ماسك سبحته وحاطط راسه بين إيديه، ولما خرج الدكتور وقالهم على حالة التقرير الطبي وإن ولازم يبلغوا الشرطة فوراً لأن دي قضية شروع في أفضى لإهاتة جسيمة، أمي بصت لأبويا وقالت: * “هنعمل إيه يا حاج؟ هنبلغ ونفضخ روحنا والعروسة اللي ملهاش شهر؟” أبويا رفع راسه، عينيه كانت مليانة دموع بس فيها ثبات الجبال، وقام وقف وقال بصوت يهز المكان:
* “الفضيحة مش للي انظلم يا أم أحمد.. الفضيـ,ـحة للظالم اللي افترى! المحضر يتعمل فوراً، وبنتي حقها هيتاخد بالقانون وبالأصول.. والبيت ده لازم يتربى!”في نفس الوقت، تحت في بيت العيلة، كانت حماتي قاعدة مع عيالها ومحمود حاطط ثلج على وشه، وكانت بتدبر وتخطط للخطوة الجاية عشان تقلب الترابيزة علينا وتطلع هي المظلومة قدام أهل البلد والنيابة… في نفس الليلة اللي كنت فيها محجوزة في المستشفى بين الأجهزة والمحاليل، كان بيت العيلة تحت في حالة طوارئ. حماتي جمعت ولادها وكبار العيلة في المضيفة تحت، وكانت بتوزع عليهم الأدوار بعينين مليانة غل ومكر. وقفت في نص الأوضة وقالت بصوت واطي ومسموم:
* “البت وأهلها مش هيسكتوا، وأنا عارفة المـ,ـلعون عبد الصمد، ده راجل ناشف وممكن يودي محمود في داهية بالتقرير الطبي. لازم نقلب الترابيزة عليهم قبل ما الصبح يطلع!” محمود كان قاعد ماسك وشه اللي اتورم من ضـ,ـرب أخويا أحمد، وقال بغل: * “نعمل إيه يا أمي؟ ده الدكتور كتب تقرير بكسر وارتجاج، ولو الشرطة جت هتسحبني من الدار!” حماتي قربت منه وضـ,ـربته على كتفه بقوة:
* “اتجمد يا نطع وما تخافش طول ما أنا حية! بكرة الصبح بدري، هتنزل أنت وأخوك تحرروا محضر في المركز إن أهل العروسة طبوا عليك في شقتك وهجموا عليك بالأسلحة البيضاء وعوروك، وإن أختهم وقعت على السلم وهي هـ,ـربانة منك لما اكتشفت إنها سرقت دهب البيت! وإن هما اللي اعتدوا عليك ودمـ,ـروا شقتك.. والبلد كلها شهدائنا وحبايبنا وهيطلعوا يجروا معانا!”
وفي الصبح بدري، والشمس يادوبك بتشرق، كانت عربية البوليس نازلة عند باب المستشفى. النيابة أرسلت وكيل النيابة ومعاه ظابط الشرطة عشان ياخدوا أقوالي في المستشفى قبل ما أتحرك. دخلوا الأوضة ولقوني غايبة عن الوعي نص غيبوبة، وأمي قاعدة جنب رجلي بتعيط وأبويا واصل الليل بالنهار واقف على باب الأوضة زي الحارس. الظابط بص لحالتي ولجسمي المتغطي بالرباطات وشعري الملفوف بالشاش، وسألني بصوت هادي: * “يا مدام سمر.. تقرير المستشفى قدامي بيأكد إنك تعرضتي لضـ,ـرب مبرح بآلة حادة وجسم صلب، مين اللي عمل فيكي كده؟”
أنا شفت صورته في خيالي، صورة محمود وهو بيطيرني بضـ,ـربه وقسوته اللي مكنتش أتصورها منه، دموعي سالت على خدوش وشي المتورم، وبصوت مخنوق ومتقطع قلت: * “جوزي.. محمود عبد الصمد.. وأمه هي اللي أمرته وقطعت عيشي! ضـ,ـربني بالكرسي وبالقشاط على راسي وصدري لحد ما أغمى عليا، عشان رفضت ينزلوا خيري وخير أهلي تحت وعشان رفضت أكون خدامة تحت رجليهم!” أبويا قدم للظابط التقرير الطبي المبدئي وشريط الفيديو اللي جاره في العمارة كان مصوره للمشادة اللي حصلت على السلم وصوت حماتي وهي بتتباهى وبتقول “أنا أخليه يربيكي ويكسر عضامك”.
الظابط هَز رأسه بغضب، وبص للملازم اللي معاه وقال: * “حرك القوة فوراً على بيت عبد الصمد، هات لي محمود وأمه من الدار فوراً!” على الناحية التانية، محمود وأمه كانوا فاكرين إنهم سبقوا بالذكاء. كان محمود نازل من مركز الشرطة بعد ما عمل المحضر الكيرالي اللي اتفقوا عليه، وطالعين على بيتهم يطمنوا، أول ما وصلوا باب الشارع، اتفاجئوا ببوكس الشرطة بيقفل الشارع من أوله لآخره! الظابط نزل من العربية ومعه القوة، وحماتي طلعت تجري على الباب وهي بتصوت وتعمل نفسها المظلومة:
* “يا لهوي يا ناس! في إيه يا باشا؟ إحنا المجني علينا! ابننا مضـ,ـروب ومفتح في وشهم وأهل البت هجموا علينا في بيتنا!” الظابط ما إداهاش فرصة تكمل كلامها، مسك الكلبشات وربط إيد محمود ورماها في البوكس، وبص لحماتي وقال بصوت زي الصخر: * “المحضر اللي عملتوه ده محضر كيرالي وهياخد رفض، التقرير الطبي للعروسة بيتكلم عن شروع في وكسر في القفص الصدري وارتجاج في المخ، ومعانا فيديوهات بتأكد تحريضك وتعديكم عليها! يلا يا ست أنتِ كمان على العربية، المطلوبة للتحقيق بتهمة التحريض والمشاركة!”
حماتي اتسمرت مكانها، لسانها اللي كان بيطلع سم وقف، وعينيها اتملت برعب عمرها ما عاشته. إخوات محمود جُم يجروا يعترضوا، الظابط حدفهم بعيد وقال: “اللي هيقرب هيتقبض عليه بتهمة تعطيل السلطات!” أهالي البلد والشارع كله كانوا واقفين يتفرجوا من الشبابيك والبلكونات. النظرات اللي كانت زمان للعروسة ومكسب بيت العيلة، تحولت لنظرات شـ,ـماتة واستـ,ـحقار للمفترين. حماتي ومحمود اتركبوا البوكس وسط حسرة وعار قدام البلد كلها. بعد يومين، خرجت من المستشفى على بيت أبويا. الشقة اللي كنت شقيت فيها وكانت ألوانها بتبرق رجعت أطلال في نظري، ومسكت في إيد أمي وأنا مش قادرة أمشي على رجلي من الألم.
أبويا جمع كبار البلد وعمدتها في بيتنا. قعدوا في المضيفة، وكان جاي من طرف حماتي ومحمود ناظر عزبتهم يترجى أبويا ويتوسل له عشان يتنازل عن المحضر قبل ما القضية تتحول لجنايات وتتحكم على محمود بالسجن المشدد. الناظر قعد وقال بصوت مكسور: * “يا حاج عبد الصمد.. إحنا كبار ونحلها ودي. محمود اتغش وشيطانه عمان، وأمه ست كبيرة وما تستحملش الحبس. اكتبوا اللي أنتم عاوزينه، دهب العروسة وقايمتها والمؤخر وكل حاجتها ترجع وزيادة، بس بلاش حبس وخراب بيوت!”
أبويا وقف وسط المجلس، وبص لكل الناس الحاضرين وقال بنبرة هزت المضيفة: * “خراب البيوت بدأ من اليوم اللي افتكروا فيه إن بنت الأصول ملهاش ظهر! أنا بنتي انضـ,ـربت واناهنت ودمها سال على السجاد وهم شايفينها لقمة طرية تاكلها كلابهم! الحقوق المالية والقائمة والدهب دول حقها بالقانون وغصب عن عين أي حد.. لكن كرامة بنتي ودمها مالهمش ثمن يتدفع بفلوس!” أنا كنت قاعدة ورا الباب سامعة كلام أبويا، ودموعي بتنزل، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف.. كانت دموع عز، وكنت مستنية أشوف النهاية والقصاص اللي يرجع لي حقي كاملاً.
ساد الصمت في المضيفة بعد كلام أبويا اللي كان زي السيف، الناظر هَز رأسه وهو حاسس إن الطاولة اتَقلَبَت تماماً، وما بقاش في إيديهم أي كارت يضغطوا بيه. قام واخد بعضه ومشى وهو يجر أذيال الخيبة، عشان يبلغ العيلة تحت إن الحاج عبد الصمد مش من الرجالة اللي بيشتروا كرامة بناتهم بفلوس، وإن القصاص جاي جاي.
في سجن المركز، كانت العتمة والبرودة مالية الزنزانة على حماتي ومحمود. محمود كان قاعد في الزاوية، وشه دبلان، والندم والعرّ مغرقينه، بعد ما أصحابه في البلد والشارع أكلوا وشه، والكل بقى يبص له على إنه “نطع” ضـ,ـرب مراته العروسة الخدومة بغير حق. بص لأمه بغل مكتوم وقال بصوت مبشوح: * “مرتاحة كدة يا أمي؟ أدي آخرة مشيك ورا حقدك ورغبتك إنك تحكمي وتسيطري! البيت اتخرب، وأنا هلبس قضية جنايات مستقبلي فيها يضيع، والبلد كلها بتمسح بيا الأرض!”
حماتي كانت قاعدة على الأرض، طرحتها مبهدلة وعينيها زاغية من الخوف، لأول مرة القسوة والسيطرة يطيروا من عينها ويحل محلهم الرعب. صرخت فيه بصوت واطي ومكسور: * “أنا كان قصدي أكسر عينها من الأول عشان ما تتعالى يابن بطني! ما كنتش أعرف إن أبوها جبل وما بيبهوش حد، ولا كنت أفتكر إنها هتطلع للشرطة والمستشفى بالسرعة دي!” رد محمود وهو بيضـ,ـرب كف بكف: * “تكسري عينها؟! دي كانت بتنزل لك أكتر من نص زيارتها لحد عندك بتترجاكي تحبيها! كسرنا إحنا اللي انكسر، وعيننا هي اللي اتكسرت قدام تسوى وما تسواش!”
في بيت أبويا، كانت الأيام بتمر عليا وأنا بحاول ألملم جروحي. جسمي كان بيطرد الزرقان والألم بالراحة، بس جرح قلبي كان هو اللي ينزف. أمي كانت تقعد جنبي، تسرح لي شعري وتعمل لي الكمادات، وأنا أفتكر كل لحظة طيبة عملتها معاهم، وكيف كان رد الجميل غدر وضـ,ـرب ودـ,ـم.
في يوم التحقيق الكبير في النيابة، اتجمعت كل الأطراف. جابوا محمود وحماتي من الحبس بالكلبشات، وحضر أبويا وأخويا أحمد وأنا مع المحامي بتاعنا. لما محمود شافني دخلت القاعة، ماشية بسندة إيد أمي، وشي لسه فيه آثار الضـ,ـرب بس نظرتي كانت ثابته وقوية، حاول يبص لي بعين ترجي وندم، وقال بصوت واطي وهو بيمد إيده المكلبشة: * “سمر.. سامحيني يا سمر، أنا اتعميت، الشيطان عماني وما عرفتش أدي لك حقك!”
أنا ما هزتش رمش، ولا ردت عليه بكلمة، بصلت له بنظرة جمدت الدم في عروقه، نظرة عرف منها إن محمود بالنسبة لي مـ,ـات وانتهى، وإن العروسة الطيبة الوديعة خلاص اتولدت مكانها واحدة تانية أصلب وأقوى. وكيل النيابة بدأ الجلسة، وبص للمستندات والتقرير الطبي النهائي اللي أثبت إن ضـ,ـربي كان بوسيلة حادة وبقـ,ـسوة مفرطة، وشاهد الفيديوهات اللي سجلت تهديدات حماتي على السلم، وشهد بيا شهود الشارع اللي أكدوا إن أهلي جُم الصبح يزوروني بالخير ولقوني سايحة في دمي.
وكيل النيابة وجه الكلام لمحمود بصوت حاسم هز القاعة: * “المتهم محمود عبد الصمد، التهم الموجهة إليك هي إحداث عاهة مستديمة والشروع في المجني عليها سمر، بالاشتراك والتحريض مع المتهمة الثانية (والدتك).. إيه ردك؟” محمود انهار وبكى زي الأطفال، وبقى يترجى ويحاول يرمي التهمة على التوتر والمشادة، وحماتي قعدت تلطم وتترجى وكيل النيابة: * “يا باشا أنا ست كبيرة ومريضة، ابننا طيش واختلف مع مراته، إحنا نرضيها باللي هي عايزاه، والله نكتب لها البيت كله بس بلاش الحبس!”
وكيل النيابة ضـ,ـرب بيديه على المكتب وقرعهم بقوة: * “العدالة ما فيهاش بيع وشراء، واللي يفتري على بكرية أصول في بيتها يتحمل نتيجة افترائه!” صدر القرار الفوري: تجديد حبس المتهم محمود عبد الصمد والمتهمة والدته 15 يوماً على ذمة القضية، مع إحالة أوراق القضية إلى محكمة الجـ,ـنايات بتهمة الضـ,ـرب المبرح والإيذاء العمدي والتحريض. لما سمعت القرار، حسيت بنار جوة صدري بدأت تنطفي. حماتي انهارت ووقعت على الأرض وهي بتصرخ، ومحمود انحنى راسه في الأرض وهو بيتسحب لسيارة الترحيلات وسط نظرات الشـ,ـماتة من كل اللي حاضرين.
أبويا مسك إيدي وقومني، وبص لي وقال بصوت مليان فخر: * “قومي يا بنتي.. راسك تفضل مرفوعة للسما، حقك بالقانون جالك، ولسه الفصل الأخير في المحكمة هيثبت للبلد كلها مين هم ولد الأصول ومين اللي انداسوا تحت الأقدام!” خرجت من مبنى النيابة، والشمس كانت طالعة صافية فوق راسنا، حاسة إن الهواء يدخل صدري لأول مرة من شهر من غير وجع، ومستنية اليوم اللي هيتقفل فيه الملف ده للأبد ويترد لي فيه كل شبر من كرامتي وحقي.
جاء يوم الجلسة الفاصلة في محكمة الجنايات، وكانت القاعة زحمة على آخرها بأهالي البلد والقرى المجاورة اللي جُم يتابعوا نهاية القصة اللي هزت الأرياف كلها. وقفت في قاعة المحكمة، لابسة أبيض صافي، وجنبي أبويا الشامخ زي النخلة وأخويا أحمد. على الناحية التانية في قفص الاتهام، كان محمود وأمه واقفين، ودهم شاحب، وهدومهم متبهدلة، ونظراتهم مكسورة للتراب. حماتي اللي كانت بتهد وتدب في البلد، بقت تشبك إيديها ودموع الخوف نازلة على وشها، ومحمود واقف حاني راسه زي العبد المذنب.
وقفت القاعة كلها احتراماً لدخول منصة القضاة.