ـ أوقف المهزلة دي فورًا. مفيش حد هيتجوز هنا.. هكذا صاح زياد النعماني بصوتٍ اهتزت له أرجاء المكان، ونظراته المشحونة بالغضب اتجهت نحو فريدة، حبيبته وطليقته، وهي تجلس على طاولة واحدة مع عمرو، الذي كان ينتظر إتمام زواجه منها. وقعت الكلمات على قلبه بثقلٍ شديد حين أخبره الرجل المسؤول عن متابعتها بما يحدث، فسارع إليها محاولًا إيقاف الأمر. نهضت فريدة من مكانها، ونظرت إليه بغضب لا يقل عن غضبه، ثم هتفت بحدة: ـ أنت إيه اللي جابك هنا؟
صاح زياد بصوتٍ جهوري: ـ جاي أوقف اللي بيحصل ده. نهض عمرو من مكانه وقال بانفعال: ـ أنت إزاي تسمح لنفسك تكلمها كده؟ اشتدت ملامح زياد، وتضاعفت غيرته وهو يتجه نحوه قائلًا: ـ دي مراتي. وما إن أنهى جملته حتى هتفت فريدة في وجهه، بانفعالٍ امتزج بالألم: ـ كنت… كنت مراتك، وطلقتني خلاص. ـ كفاية كده بقى. ادخلي يا فريدة جوا. هكذا قالت فردوس، والدة فريدة، ثم التفتت إلى زياد وقالت بعتبٍ واضح: ـ خير يا زياد؟ فريدة كانت مراتك وأنت طلقتها وشوفت حياتك. عايز منها إيه؟ هي كمان من حقها تبدأ حياتها من جديد.
احتدت نظرات زياد، وظهر الغضب واضحًا على ملامحه. ظل للحظات ينظر بين الموجودين وباب الغرفة، ثم التفت إلى مرافقيه بإشارة سريعة، قبل أن يتجاهل الجميع ويتجه إلى غرفة فريدة. أغلق الباب خلفه، ليجدها جالسة تبكي. وما إن رأته حتى اضطربت، ونهضت من مكانها متراجعةً إلى الخلف، ثم صاحت من بين دموعها: ـ أنت إيه اللي دخلك أوضتي؟ اخرج بره. تجاهل حديثها، واقترب منها بخطوات بطيئة، وقال بصوتٍ يحمل غيرته: ـ بقى عايزة تتجوزي راجل غيري يا فريدة؟
رأت في عينيه مقدار غيرته، فأرادت استفزازه أكثر، كما شعرت أنها تأذت من كلماته في الماضي، فقالت بتحدٍ: ـ أيوه، هتجوز غيرك، وممكن أبدأ معاه حياة جديدة كمان. أثارت كلماتها انفعاله، فضر.ب بيده على طرف الطاولة ثم ابتعد عنها، محاولًا السيطرة على توتره. اتسعت عينا فريدة دهشةً، ثم اتجهت نحو الباب وهي تقول: ـ أنت اتغيرت إزاي كده؟ على أي أساس عايزني أرجعلك؟ أرجعلك بعد ما وصدقت عني كلام مش حقيقي؟ أرجعلك بعد ما وجعتني وسبتني؟ وبعد ما اتجوزت أرملة أخوك؟ مستحيل أرجعلك، أنت سامع؟ مستحيل!
اقترب زياد منها، لكن فريدة حافظت على مسافتها، بينما قال هو بنبرة حاسمة: ـ مشي ابن أخوكي من هنا يا مرات عمي. خلّيه يخرج بهدوء أحسن. فريدة رجعت لبيتها، وكفاية لحد كده. ثار عمرو وقال: ـ أنت مين عشان تقرر عنها؟ أنا مش هسيب فريدة بسهولة. أشار زياد إلى مرافقيه، فتقدموا ليحولوا دون استمرار الجدال، بينما ظل عمرو يعترض محاولًا الدفاع عن موقفه. في تلك اللحظة، لمعت في عيني فردوس فكرة جديدة، فقد رأت أن عودة فريدة إلى زياد قد تمنح ابنتها فرصة لاستعادة مكانتها، وربما تكون بداية لتغيير الكثير من الأمور داخل العائلة.
اقتربت فردوس من فريدة، وأخذتها معها إلى الغرفة، فقالت فريدة بألم: ـ أنتِ ساكتة ليه يا أمي؟ قولي له يخرج بره! مش عايزة أشوفه. أمسكت فردوس بيدي ابنتها، ونظرت في عينيها قائلة: ـ اسمعيني كويس يا فريدة، وافهمي أنا بفكر في إيه. رجوعك لزياد مش ضعف منك ولا تقليل من كرامتك. بالعكس، ممكن يكون فرصة إنك تستردي مكانك وتثبتي للجميع إنك أقوى من كل اللي حصل. ـ بس أنا مش عايزة أرجعله بسهولة. ـ محدش قال ترجعي بسهولة. لكن زياد واضح إنه لسه متعلق بيكي، وده معناه إن عندك فرصة تعيدي ترتيب حياتك بالطريقة اللي تناسبك.
دلف زياد إلى البهو، تتبعه فريدة وفردوس. كان الصمت يخيّم على البيت الكبير، بينما جلست فاطمة بكامل هيبتها، وبجوارها نيرمين، زوجة زياد الحالية وأرملة أخيه الراحل. ما إن رأتهما حتى ساد الارتباك المكان. وقفت نيرمين ببطء، وقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله هادئًا: ـ إيه اللي جايب فريدة ومرات عمي معاك يا زياد؟ مش الموضوع ده اتقفل خلاص؟ رمقها زياد بنظرة باردة، ثم قال: ـ أنا رجعت فريدة لعصمتي النهاردة، وجبتها عشان تعيش في بيتنا. سقطت كلماته على الجميع كخبرٍ مفاجئ.
انتفضت فاطمة من مكانها وقالت بدهشة: ـ إيه اللي بتقوله ده يا زياد؟ رجعتها لعصمتك؟ بعد كل اللي حصل؟ بعد ما كنت مقتنع إنها أخطأت في حقنا؟ وفي تلك اللحظة، ظهر الاضطراب على وجه نيرمين، وتقدمت وهي تقول: ـ كده يا زياد؟ هان عليك كل اللي حصل بينا؟ تروح ترجعها لحياتك تاني بعد كل اللي عشته؟ عادت الذكريات القديمة إلى ذهن فاطمة؛ فقد كانت تشعر دائمًا بالمقارنة بينها وبين فردوس. وكانت عودة فردوس وفريدة إلى البيت بالنسبة إليها تهديدًا لمكانتها.
قالت فاطمة بضيق: ـ فردوس طول عمرها عارفة قيمة البيت ده، ولما مشيت بنتها افتكرت إن الأمور هتستقر. لكن دلوقتي رجعوا تاني، وأنا مش هسمح إن مكانتي تتغير. اقتربت نيرمين منها وقالت: ـ مش هنسمح بده يا ماما فاطمة. لو فضلت فريدة هنا، زياد هيتعلق بيها أكتر، وإحنا ممكن نخسر مكاننا في البيت. لازم نفكر في طريقة تخليه يراجع قراره بنفسه. استقرت فاطمة في مكانها، وبدأت تفكر بتركيز. ـ زياد نقطة ضعفه الأساسية هي غيرته. رجعها لأنه لسه متعلق بيها، ولو قدرنا نخليه يشك في مشاعرها تجاه شخص تاني، ممكن يعيد التفكير في كل اللي عمله.
ابتسمت نيرمين وقالت: ـ تقصدي عمرو؟ ـ أيوه. عمرو كان متعلق بيها من زمان. لو قدرنا نخليه يتواصل معاها، ونخلق موقف يخلي زياد يفسر الأمور بشكل غلط، ممكن تحصل أزمة كبيرة بينهم. قالت نيرمين: ـ بس فريدة مش هتدي لعمرو فرصة. هي لسه بتحب زياد. ـ ودي مشكلتنا. مش لازم تكون الحقيقة هي اللي تظهر، المهم إن الصورة اللي يشوفها زياد تخليه يشك. اتسعت ابتسامة نيرمين وهي تفكر في الفكرة: ـ يعني نخلي عمرو يتواصل معاها، ونحاول نرتب الموقف بحيث الرسائل تظهر قدام زياد؟
أومأت فاطمة: ـ بالضبط. لكن لازم كل حاجة تتعمل بحذر، ومن غير ما حد يعرف إننا ورا الموضوع. — ساد الصمت في البهو قبل أن تظهر فريدة على السلم برفقة والدتها. كانت ترتدي ثوبًا أزرق داكنًا يبرز جمالها، وشعرها ينساب على كتفيها، بينما بدت عيناها مليئتين بالثقة رغم كل ما مرت به. عند طرف الطاولة، كان زياد يمسك بفنجان قهوته. وما إن وقعت عيناه عليها حتى توقف للحظات، وكأن ذكريات الماضي عادت إليه دفعة واحدة.
جلسَت فريدة بجوار والدتها، متجاهلةً الجميع. قالت فاطمة بجفاء: ـ الناس بتدخل تقول صباح الخير، وإنتِ ولا كأنك داخلة على بيتك. ابتسمت فريدة بسخرية: ـ سيبي الخير لأصحابه يا مرات عمي، مالك إنتِ وماله؟ اغتاظت فاطمة، بينما حاولت نيرمين تغيير الحديث، فقالت وهي تنظر إلى زياد: ـ هتتأخر النهاردة يا زياد؟ شكلك تعبان ومحتاج ترتاح شوية. رد باقتضاب: ـ أنا كويس. ابتسمت فريدة ابتسامة صغيرة، ولاحظ زياد نظرتها، لكنه لم يعلق. قالت فاطمة: ـ طبيعي يبقى تعبان، ما البيت اتغير جوه ومبقاش مريح زي الأول.
ساد الصمت للحظات. اقترب زياد من فريدة، لكنه توقف على مسافة مناسبة منها، وقال: ـ رجعتك لأنك لسه مهمة عندي. وفريدة النعماني مكانها هنا، لكن ده مش معناه إنك مجبرة على أي حاجة. أنا عايز نبدأ من جديد، ولو هنرجع لبعض، لازم يكون برضاك. نظرت إليه فريدة طويلًا، ثم قالت: ـ وأنا مش فريدة اللي طلقتها ورميتها من حياتك. جوازنا من تاني مش حاجة بسيطة. ده قرار كبير، وكل خطوة فيه لازم تكون محسوبة. التقت عيناهما في صمت، وكانت بينهما ذكريات كثيرة لم تُحسم بعد.
قالت فريدة: ـ قولي يا زياد، أنت رجعتني على أي أساس؟ عرفت إنك كنت غلطان في حقي وإنهم ظلموني، ولا رجعتني ليه؟ أجابها بصدق: ـ يمكن لسه مش فاهم كل حاجة، لكني عرفت إني استعجلت في الحكم عليكي. وعرفت كمان إن غيرتي خلتني أشوف الأمور بطريقة غلط. نظرت إليه بألم: ـ ولما أنت كنت شايفني غلط، رجعتني ليه؟ ـ لأني بدأت أفهم إن الصورة اللي وصلتلي ما كانتش كاملة. ولأني عايز أدي لنفسي وليكي فرصة نفهم بعض من جديد.
ضحكت فريدة ضحكة قصيرة تحمل مرارة: ـ ده تغيير كبير منك. استدارت لتغادر، لكنه قال: ـ استني يا فريدة. توقفت دون أن تلتفت. ـ اللي حصل النهاردة مش هيتكرر. مش عايز البيت يبقى مكان للمشاحنات. فريدة بنت البيت ده، وعودتها مش موضوع للنقاش. نظرت إليه بتحدٍ واضح، فقال: ـ لما تخلصي، تعالي المكتب. — استقرت خطوات فريدة عند عتبة المكتب بعد انتهاء الإفطار. دفعت الباب بخفة، فرأت زياد واقفًا خلف مكتبه، وقد بدا عليه التوتر.
ما إن رآها حتى قال: ـ برافو. اللي حصل على الفطار ده كان مقصود؟ استندت فريدة إلى طرف الطاولة وقالت: ـ أنا مبلعبش يا ابن عمي. أنا بحاول أعيش في بيتي من غير ما حد يفرض عليا طريقة معينة. ولو حصلت خلافات، يبقى كل واحد يتحمل مسؤولية كلامه وتصرفاته. جلست فريدة إلى جوار والدتها في وقت لاحق، بينما حضرت زهراء إحدى العاملات في المنزل، ووضعت أمامها طبقًا من الفطير الفلاحي والعسل الأسود. قالت زهراء بسعادة:
ـ حمد لله على سلامتك يا ست فريدة. جبتلك الفطير والعسل اللي بتحبيه. قولت زمانه وحشك. ابتسمت فريدة بامتنان: ـ ميرسي يا زهراء، تسلم إيدك. فعلًا الأكل ده كان واحشني. قالت زهراء: ـ بألف هنا على قلبك يا ست الستات. قاطعتها فاطمة بحدة: ـ خلاص يا بنت، روحي شوفي شغلك. خرجت زهراء سريعًا، بينما حاولت فريدة تجاهل الموقف. تناولت قطعة من الفطير، فتذكرت أيامًا قديمة جمعتها بزياد، وتبادلا نظرات قصيرة كشفت أن الماضي لم يختفِ تمامًا.
قالت فاطمة بضيق: ـ في إيه؟ ما تاكلي زي الناس. ردت فريدة بهدوء: ـ عندك حق. زمان مكنتش باكل كويس، لكن لما رجعت لبيتي حسيت إني مرتاحة أكتر. قالت فردوس بنبرة ساخرة: ـ ركزي في طبقك يا فاطمة يا حبيبتي. ساد التوتر على المائدة، بينما ظل زياد يتابع فريدة بنظرات تحمل الكثير من الذكريات. وضع فنجانه جانبًا وقال: ـ كفاية كلام. ساد الهدوء. ثم نظر إلى فريدة وقال: ـ متمشيش يا فريدة. أغمضت عينيها للحظة، فهي ما زالت تحمل له مشاعر متناقضة. شعرت برغبته في إصلاح ما حدث، لكنه كان يعلم أن الكلمات وحدها لن تكفي.
قال بصوتٍ هادئ: ـ أنا عايز أنسى اللي حصل، ونرجع نتعامل مع بعض بشكل أحسن. أنا بحبك يا فريدة، وغيابك عني كان صعب. نظرت إليه طويلًا، ثم قالت: ـ وأنا كمان عندي مشاعر تجاهك، لكن ده مش معناه إني هنسى كل اللي حصل بسهولة. ثم ابتعدت عنه واتجهت نحو الباب. — أغلقت الحاجة فاطمة باب غرفتها، ثم التفتت إلى نيرمين التي كانت تتحرك في الغرفة بقلق. قالت فاطمة: ـ اقعدي يا نيرمين واهدي. الانفعال مش هيحل حاجة. زياد دلوقتي مش شايف غير فريدة، ولو حاولنا نتصرف بطريقة متسرعة، ممكن نخسر أكتر.
جلست نيرمين وقالت: ـ نعمل إيه يا ماما فاطمة؟ دي راجعة وكأنها صاحبة المكان، وزياد واضح إنه لسه متعلق بيها. اقتربت فاطمة وقالت: ـ لازم نلعب على نقطة غيرته، لكن من غير ما نترك أثر يدل علينا. ـ يعني إيه؟ ـ عمرو. هو كان متعلق بفريدة من زمان. لو قدرنا نقنعه إنها مش سعيدة في حياتها الحالية، ممكن يحاول يتواصل معاها. قالت نيرمين: ـ وفريدة؟ ـ هي غالبًا هترفض، وده مش مهم. المهم إننا نصنع موقفًا يخلي زياد يفهمه بطريقة مختلفة.
اتسعت عينا نيرمين: ـ يعني نخليه يبعث رسائل، ونخلي الرسائل تظهر قدام زياد؟ ـ بالضبط. لكن لازم نكون حذرين جدًا، وأي خطوة غلط ممكن تكشف خطتنا. قالت نيرمين: ـ ولو زياد عرف؟ ابتسمت فاطمة ابتسامة غامضة: ـ وقتها هيكون عليه يقرر بنفسه إزاي هيفهم اللي شافه. — وبينما كانت فريدة تظن أن عودتها إلى البيت ستكون بداية لإصلاح حياتها، كانت في الخلفية حسابات أخرى تُرتب بصمت. فاطمة ونيرمين لم تكونا مستعدتين للتراجع، وفريدة لم تكن مستعدة للتنازل عن كرامتها، أما زياد فكان ممزقًا بين مشاعره القديمة ورغبته في فهم الحقيقة.
وبذلك بدأت مرحلة جديدة من حياة العائلة؛ مرحلة ستختبر الثقة، والمشاعر، والقدرة على مواجهة الماضي دون أن يسمح أي طرف للخلافات بأن تتحول إلى ما هو أسوأ. **يتبع…**صح، عندك حق. بما إنك طلبتي **نكمل من آخر نقطة في القصة اللي بعتّيها**، فدي تكملة جديدة بنفس الشخصيات والجو الدرامي، ومن غير ألفاظ أو إيحاءات عنيفة: **قيدٌ من جمر — تكملة ج١** في صباح اليوم التالي، استيقظت فريدة على صوت طرقات خفيفة على باب غرفتها. فتحت عينيها بتعب، ثم قالت:
ـ مين؟ جاءها صوت زهراء من الخارج: ـ أنا يا ست فريدة. في جواب ليكي. جلست فريدة على فراشها باستغراب، ثم فتحت الباب وأخذت الظرف. ـ جواب؟ ليا أنا؟ ـ أيوه. الراجل اللي سلمهولي قال إنه مهم. غادرت زهراء، بينما ظلت فريدة تنظر إلى الظرف بين يديها للحظات. لم يكن عليه اسم المرسل، لكن شيئًا بداخلها جعلها تشعر بالقلق. فتحته، فوجدت رسالة قصيرة. **”فريدة، لازم نتكلم. في حاجات حصلت زمان لسه محدش قالك حقيقتها كاملة. عمرو.”**
تغيرت ملامحها فورًا. ـ عمرو! وضعت الرسالة فوق الطاولة، وأخذت نفسًا عميقًا. لم تكن تريد أي تواصل معه، خصوصًا بعد عودتها إلى بيت زياد. لكنها في الوقت نفسه شعرت بالفضول لمعرفة ما الذي يقصده. وفي اللحظة نفسها، لمحت من خلف زجاج النافذة نيرمين تمر في الممر. توقفت فريدة لحظة، ثم وضعت الرسالة داخل درج مكتبها وأغلقته. لم تكن تعرف أن هناك من كان يراقب تحركاتها بالفعل. — في غرفة فاطمة، كانت نيرمين تقف أمامها وهي تقول:
ـ الرسالة وصلت. رفعت فاطمة رأسها بسرعة: ـ ومتأكدة إنها شافتها؟ ـ أيوه. زهراء قالت إنها استلمتها بنفسها. ابتسمت فاطمة: ـ كويس. دلوقتي نستنى. ـ ولو فريدة قالت لزياد؟ ـ يبقى هو اللي هيقرر يعمل إيه. إحنا مش هنقول حاجة. سكتت نيرمين قليلًا، ثم سألت: ـ وإنتِ مش خايفة إن الموضوع يتكشف؟ ـ الخوف هو اللي بيخلّي الواحد يغلط. وإحنا مش هنعمل حاجة غير إننا نستنى الحقيقة تظهر بطريقتها. — في الوقت نفسه، كان زياد في مكتبه يراجع بعض الأوراق، عندما دخلت فريدة.
رفع رأسه إليها وقال: ـ صباح الخير. ـ صباح النور. لاحظ على الفور أن ملامحها مختلفة. ـ في حاجة؟ ترددت للحظة. ـ لا. ترك الأوراق أمامه وقال: ـ فريدة، أنا بدأت أعرفك. لما بتقولي “لا” بالطريقة دي، بيكون في حاجة. جلست أمامه، ثم قالت: ـ وصلتلي رسالة من عمرو. تغيرت ملامحه للحظة، لكنه حافظ على هدوئه. ـ قال إيه؟ أخرجت الرسالة من حقيبتها ومدتها إليه. قرأها زياد بهدوء، ثم أعادها إليها. ـ وإنتِ رديتي عليه؟
ـ لا. ـ ناوية تردي؟ نظرت إليه بثبات: ـ لا. سكت زياد قليلًا، ثم قال: ـ كان ممكن تخبيها. ـ وأنا مش عايزة أخبي حاجة عنك. كانت الجملة بسيطة، لكنها تركت أثرًا واضحًا بداخله. اقترب منها خطوة، ثم توقف وقال: ـ أنا عارف إن اللي حصل بينا خلاني أخسر ثقتك فيا. وعارف إنك ممكن تشكي في أي كلمة بقولها. بس المرة دي أنا مش هتصرف من غير ما أسمعك. نظرت إليه فريدة بدهشة. ـ يعني مش هتفسر الموضوع بطريقتك؟
ابتسم ابتسامة صغيرة: ـ بحاول أتعلم. لم تستطع منع ابتسامتها. ـ أخيرًا. ـ بس عندي طلب. ـ إيه؟ ـ لو عمرو بعتلك تاني، متخبيش عني. ـ موافقة. ثم وقفت لتغادر. ناداها: ـ فريدة. التفتت إليه. ـ شكرًا إنك قلتيلي. ابتسمت بهدوء: ـ يمكن دي أول مرة أحس إنك بتديني فرصة أتكلم قبل ما تحكم عليا. خرجت، وظل زياد ينظر إلى الباب بعد رحيلها. — في المساء، وصلت رسالة جديدة إلى هاتف فريدة. **”أنا محتاج أشوفك خمس دقايق بس. مش عايز منك حاجة، لكن لازم تعرفي الحقيقة.”**
ظلت تنظر إلى الشاشة. وفي النهاية كتبت: **”قول اللي عندك هنا.”** لم تمر دقائق حتى وصلها الرد: **”مش هينفع في رسالة. الموضوع متعلق باللي حصل قبل طلاقك من زياد.”** تجمدت أصابعها فوق الهاتف. قبل طلاقها؟ ما الذي يعرفه عمرو؟ وفي اللحظة نفسها، دخلت فردوس الغرفة. لاحظت شرود ابنتها وقالت: ـ مالك يا فريدة؟ أغلقت الهاتف بسرعة. ـ مفيش. ـ إنتِ عارفة إني أمك، صح؟ تنهدت فريدة: ـ عمرو بعتلي. تغيرت ملامح فردوس. ـ قال إيه؟
ناولتها الهاتف. قرأت فردوس الرسائل، ثم قالت: ـ متروحيش تقابليه لوحدك. ـ أنا أصلًا مش ناوية. ـ يبقى خليه يقول اللي عنده من غير مقابلات. أومأت فريدة. لكن قبل أن تضع الهاتف، وصلت رسالة أخرى. **”فريدة، أنا عرفت مين اللي كان بيوصل لزياد الكلام عنك زمان.”** اتسعت عيناها. ـ ماما… ـ إيه؟ ـ يمكن يكون عمرو عارف مين السبب في كل اللي حصل. سادت لحظة صمت. قالت فردوس بجدية: ـ يبقى لازم نعرف الحقيقة، بس من غير ما ندي فرصة لحد يستغل الموضوع ضدك.
—