في الجانب الآخر من البيت، كانت نيرمين تراقب هاتفها بقلق. ـ ماما فاطمة… في حاجة مش ماشية زي ما خططنا. رفعت فاطمة عينيها: ـ إيه اللي حصل؟ ـ عمرو بعت لفريدة، بس هي ما ردتش عليه بالطريقة اللي كنا متوقعينها. ـ يعني إيه؟ ـ قالتله يقول اللي عنده في الرسائل. سكتت فاطمة. ثم قالت: ـ يبقى لازم نعرف هو عايز يقول إيه. ـ ولو عرفنا؟ ـ ساعتها نقرر هنتصرف إزاي. لكن قبل أن تكمل، جاء صوت خطوات في الممر.
تجمدت الاثنتان. فُتح الباب، وظهرت فريدة. نظرت إليهما بهدوء، ثم قالت: ـ مساء الخير. ردت فاطمة بتوتر: ـ مساء النور. وضعت فريدة يدها على مقبض الباب، ثم قالت: ـ بالمناسبة يا مرات عمي… ـ أيوه؟ ابتسمت فريدة ابتسامة هادئة: ـ لو عندك حاجة عايزة تقوليها لي، قوليها في وشي. أنا مش بحب الكلام اللي بيوصلني من ورايا. تبادلت فاطمة ونيرمين نظرة سريعة. ثم غادرت فريدة المكان. بعد خروجها، قالت نيرمين بصوت منخفض: ـ هي عرفت؟
ردت فاطمة: ـ لسه. ـ طب هنعمل إيه؟ نظرت فاطمة نحو الباب وقالت: ـ الظاهر إن اللعبة اتغيرت. — في اليوم التالي، جلس زياد في مكتبه عندما دخل عمرو. رفع زياد رأسه وقال: ـ إنت بتعمل إيه هنا؟ أجابه عمرو بهدوء: ـ جاي أتكلم. ـ في إيه؟ ـ في حاجة تخص فريدة. ساد الصمت. قال زياد: ـ لو جاي تعمل مشكلة، فمش هسمح بده. ـ مش جاي أعمل مشكلة. جاي أقولك إن في حاجات حصلت زمان، وإنت صدقتها من غير ما تتأكد.
تغيرت ملامح زياد. ـ تقصد إيه؟ أخرج عمرو هاتفه وقال: ـ عندي رسائل ومحادثات قديمة تثبت إن الكلام اللي وصلك عن فريدة ما كانش كامل. وقف زياد من مكانه. ـ وإنت كنت ساكت ليه كل الوقت ده؟ ـ لأني كنت فاكر إن فريدة هتكون معايا، وبعد اللي حصل بينكم كنت زعلان ومش عايز أتدخل. لكن لما شفت إن نفس الحكاية ممكن تتكرر، قررت أقول الحقيقة. ظل زياد صامتًا. ثم قال: ـ وريني. وفي اللحظة التي بدأ فيها عمرو بعرض ما لديه، لم يكن أي منهما يعلم أن شخصًا ثالثًا كان يستمع إلى جزء من الحديث خلف الباب.
كانت نيرمين. تراجعت بخطوات سريعة، وذهبت تبحث عن فاطمة. ـ ماما… إحنا لازم نتكلم فورًا. ـ حصل إيه؟ قالت نيرمين بوجه شاحب: ـ زياد عرف إن في حاجة غلط حصلت زمان. لأول مرة، اختفت ابتسامة فاطمة تمامًا. ـ يبقى لازم نعرف هو عرف إيه… قبل ما يعرف الباقي. وفي الجهة الأخرى من البيت، كانت فريدة تقف أمام المرآة، تنظر إلى نفسها وهي تفكر في الرسالة التي وصلتها. للمرة الأولى منذ سنوات، شعرت أن الحقيقة التي ظلت تبحث عنها قد أصبحت قريبة جدًا.
لكنها لم تكن تعرف أن معرفة الحقيقة ستجعلها تعيد النظر في كل شيء… حتى في السبب الحقيقي الذي جعل زياد يتركها يومًا. لم تستطع فريدة النوم تلك الليلة. ظلت كلمات عمرو تدور في رأسها، خصوصًا جملته الأخيرة: ـ الحقيقة اللي حصلت قبل طلاقك مش زي ما إنتِ فاكرة. جلست أمام النافذة، تحدق في ظلام الليل، بينما تتزاحم الذكريات في ذهنها. لماذا كان زياد مقتنعًا بأنها أخطأت في حقه؟ ولماذا صدق كلامًا عنها دون أن يمنحها فرصة حقيقية للدفاع عن نفسها؟
وفي اللحظة التي كانت تستعيد فيها تفاصيل الماضي، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. ـ فريدة؟ كان صوت زياد. ترددت قبل أن تجيب: ـ ادخل. فتح الباب، لكنه لم يقترب منها. قال بهدوء: ـ ممكن نتكلم؟ ـ اتفضل. جلس على المقعد المقابل لها، وقال: ـ عمرو قال لي حاجة النهاردة… وأنا مش عارف أصدقها ولا لأ. رفعت عينيها إليه: ـ قالك إيه؟ ـ قال إن في ناس زمان وصلولي معلومات عنك بطريقة خلتني أفهم الموضوع غلط.
صمتت فريدة طويلًا. ثم قالت: ـ وأنت صدقتهم. ـ أيوه. ـ من غير ما تسألني؟ خفض زياد عينيه. ـ أيوه. كانت الإجابة صريحة لدرجة أنها أوجعتها أكثر من أي تبرير. قالت: ـ كنت مستنية منك سؤال واحد يا زياد. سؤال واحد بس. كنت هقولك الحقيقة. ـ عارف. ـ لأ، إنت مش عارف. لأن اللي حصل غير حياتي كلها. أنت مش بس طلقتني… أنت خلتني أحس إني مش مستاهلة حتى إنك تسمعني. اقترب زياد خطوة، ثم توقف.
ـ أنا غلطت. نظرت إليه بدهشة. ـ بتقولها بسهولة أوي. ـ لأنها الحقيقة. ساد الصمت. ثم أضاف: ـ وأنا مش طالب منك تنسي كل اللي حصل. أنا بس طالب فرصة أصلح اللي أقدر عليه. أدارت وجهها بعيدًا. ـ الفرص مش بالكلام. ـ عارف. ـ يبقى أثبت. أومأ زياد. ـ هثبت. — في صباح اليوم التالي، اجتمعت فاطمة ونيرمين في غرفة الجلوس. قالت نيرمين بقلق: ـ عمرو قال لزياد إن عنده أدلة على إن فريدة اتظلمت.
ردت فاطمة: ـ الأدلة دي ممكن تكون مجرد كلام. ـ ولو صدقه؟ ـ يبقى لازم نعرف هو معاه إيه. ـ وإزاي؟ فكرت فاطمة للحظات، ثم قالت: ـ اسمعيني كويس. إحنا مش هنعمل أي خطوة متسرعة. لازم نفهم الحقيقة الأول. نظرت إليها نيرمين بدهشة: ـ إنتِ بتقولي نعرف الحقيقة؟ ـ أيوه. لأن لو فريدة فعلًا ما كانتش غلطانة، يبقى لازم نعرف مين اللي بدأ الحكاية من الأساس. — في ذلك الوقت، كان زياد يجلس مع عمرو في مكتبه.
وضع عمرو هاتفه أمامه وقال: ـ دي الرسائل اللي كانت بتوصلني من شخص كان بيحاول يقنعني إن فريدة محتاجة مساعدتي. تصفح زياد الرسائل، وظهرت على وجهه علامات الاستغراب. ـ مين الشخص ده؟ ـ معرفش اسمه الحقيقي. كان بيتواصل معايا باسم مستعار. ـ وإنت ليه ما قلتليش من زمان؟ تنهد عمرو: ـ لأني كنت وقتها متعلق بفريدة، وكنت شايف إن أي حاجة ممكن تخليني أقرب منها فرصة. لكن بعد ما الأمور اتعقدت، فهمت إني كنت جزء من سوء تفاهم كبير.
أغلق زياد الهاتف. ـ هل الرسائل دي كلها؟ ـ لأ. أخرج عمرو ملفًا صغيرًا من حقيبته. ـ فيه كمان نسخة من محادثة قديمة بين الشخص ده وشخص تاني. تغيرت ملامح زياد. ـ مين الشخص التاني؟ ـ ده اللي مش عارفه. فتح زياد الملف، وظل يقرأ بصمت. ثم توقف فجأة. كان هناك رقم هاتف قديم يعرفه جيدًا. رفع عينيه إلى عمرو. ـ الرقم ده… أنا أعرفه. ـ لمين؟ لم يجب زياد فورًا. كان عقله يسترجع سنوات كاملة.
ثم قال: ـ لشخص كان قريب جدًا من العيلة. — في غرفة فريدة، كانت فردوس تجلس بجوار ابنتها. قالت: ـ زياد قالك حاجة؟ ـ قال إنه بدأ يعرف إن في حاجات حصلت زمان كانت مبنية على معلومات غلط. ابتسمت فردوس بحزن. ـ كنت دايمًا حاسة إن ورا الموضوع حاجة أكبر. ـ وأنا كمان. ـ بس خلي بالك يا فريدة. الحقيقة مهما كانت، ما تخليش رغبتك في معرفة الماضي تنسيكي نفسك. نظرت فريدة إليها. ـ أنا مش عايزة أنتقم من حد يا أمي. أنا بس عايزة أفهم.
ـ وده حقك. في تلك اللحظة، دخلت زهراء مسرعة. ـ ست فريدة… ـ خير؟ ـ في حد غريب بيسأل عليكي بره. وقفت فريدة. ـ مين؟ ـ بيقول إنه جاي يسلمك حاجة. نظرت فردوس إلى ابنتها بقلق. ـ خليه يستنى. ما تروحيش لوحدك. أومأت فريدة. وبعد دقائق، وصلت زهراء تحمل ظرفًا جديدًا. ـ قال إن ده لازم يوصل ليكي بنفسه، بس مقدرش يدخل. أخذت فريدة الظرف. فتحته. وجدت بداخله صورة قديمة تجمعها بزياد في بداية زواجهما، وعلى ظهرها جملة واحدة:
**”لو عايزة تعرفي مين بدأ كل شيء، دوري على اللي كان أقرب ليكم.”** تجمدت ملامحها. قالت فردوس: ـ إيه المكتوب؟ ناولتها الصورة. قرأت فردوس الجملة، ثم رفعت عينيها إلى ابنتها. ـ أقرب ليكم؟ ـ يعني مين؟ وقبل أن تجيب، جاء صوت زياد من عند الباب: ـ أنا عارف مين المقصود. التفتت فريدة إليه بسرعة. ـ مين؟ نظر زياد إلى الصورة. ثم قال بهدوء: ـ الشخص اللي كان عنده فرصة يعرف تفاصيل حياتنا كلها… كان من داخل البيت.
ساد الصمت. رفعت فريدة عينيها إليه. ـ تقصد مين يا زياد؟ لم يجب فورًا. نظر إلى الممر، ثم عاد ببصره إليها. ـ قبل ما أقول اسم، لازم أتأكد. ـ ليه؟ ـ عشان المرة دي مش هظلم حد بسبب شك. نظرت إليه فريدة طويلًا، ثم قالت: ـ كويس. تقدم خطوة. ـ كويس إزاي؟ ـ لأنك أخيرًا بتتعلم تسأل قبل ما تحكم. ابتسم زياد لأول مرة منذ أيام. لكن قبل أن يرد، سمعوا صوت شيء يسقط في الممر.
خرج مسرعًا، فوجد نيرمين واقفة هناك، وقد بدا الارتباك واضحًا على وجهها. قال زياد: ـ إنتِ كنتِ بتسمعي؟ تلعثمت: ـ أنا… كنت معدية بس. نظر إليها للحظات. ثم قال بهدوء: ـ تمام. وعاد إلى الغرفة. لكن نظراته هذه المرة لم تكن كما كانت من قبل. كانت مليئة بالأسئلة. أما نيرمين، فابتعدت عن المكان وهي تدرك أن الأمور بدأت تخرج من نطاق السيطرة. وفي نهاية الممر، كانت فاطمة تراقب المشهد من بعيد. وحين التقت عيناها بعيني نيرمين، فهمت الاثنتان الشيء نفسه:
**الحقيقة أصبحت أقرب مما ينبغي.** وفي تلك اللحظة، وصل إلى هاتف زياد إشعار جديد. رسالة من رقم مجهول: **”لو عايز تعرف مين سبب الخلاف بينك وبين فريدة، افتكر يوم السفر… والشخص اللي كان آخر واحد دخل مكتبك.”** رفع زياد عينيه عن الهاتف. وتغيرت ملامحه. لأن يوم السفر كان يومًا لم يتذكره أحد منذ سنوات… إلا شخصًا واحدًا.