منوعات

٣شهور كاملين نايمة عند امي

“لازم نتأكد قبل ما نتهمها.” لكن أحمد قال: “المبالغ دي كانت بتوصلها منين؟” قلبت الورقة الأخيرة، فوجدنا رقم هاتف قديم، وبجانبه اسم واحد: “فؤاد.” رجعت البيت وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك تحت رجلي. أول ما دخلنا، لقينا خالتي قاعدة في الصالة. كانت بتبكي. بصت للورقة اللي في إيدي، وسكتت. قلت لها: “ليه؟” رفعت عيني وقالت: “كنت مستنية اليوم ده.” قلت: “إنتِ اللي كنتِ بتنقلي أخبار بابا لفؤاد؟!” قالت: “أيوه.” أحمد صرخ: “ليه؟!” قالت: “لأني كنت مجبرة.”

قلت: “مجبرة إزاي؟” قالت: “فؤاد كان ماسك عليا حاجة لو ظهرت، كنت هدخل السجن.” تجمدنا. قالت: “وأمك كانت عارفة.” صرخت: “ماما كانت عارفة؟!” هزت رأسها. “أمك كانت بتحاول توقفني، وأبوك كان بيحاول يواجه فؤاد، لكن حصل شيء قبل ما يقدر يكشف الحقيقة.” سألتها: “إيه اللي حصل؟” قالت: “في الليلة اللي مـ,ـات فيها أبوكي، أنا كنت آخر واحدة شافته.” سكتت. ثم قالت: “وكان معاه الظرف الأصفر.” قلت: “يعني الظرف اللي وصلني دلوقتي؟” قالت: “لا… ده مجرد نسخة.”

اتسعت عيني. “النسخة؟!” قالت: “الأصل مع فؤاد.” حسام وقف بسرعة. “يعني فؤاد لسه عنده الأصل؟” خالتي هزت رأسها. ثم قالت الجملة اللي خلتني أحس إن قلبي وقف: “وفؤاد مش عايز فلوسك يا ندى… هو عايزك إنتِ.” قلت: “عايزني ليه؟” قبل ما تجاوب، رن جرس الباب. مرة. مرتين. ثلاث مرات. حسام راح ناحية العين السحرية. بص من خلالها، وفجأة رجع خطوتين. قلت: “مين؟” قال بصوت مخنوق: “راجل كبير.” سألت: “مين؟” حسام بص لي وقال: “بيقول اسمه فؤاد.”

وفي نفس اللحظة، سمعت صوت الرجل من خلف الباب: “ندى… أنا أبوكي الحقيقي، وجاي أقولك ليه والدك اللي رباكي مـ,ـات وهو خايف عليكي.” وقفت مكاني. وحطيت إيدي على بطني. بينما الجنين تحرك بقوة كأنه شعر بالخطر قبلي. — ## الحقيقة الأخيرة وقفت قدام باب الشقة وأنا مش قادرة أصدق إن اللحظة دي وصلت. طول عمري كنت فاكرة إن أكبر وجع ممكن أعيشه هو فقدان أبويا اللي رباني، أو قسوة أمي، أو خسارة الطفل اللي كان جزء من حلمي.

لكن اكتشفت إن فيه وجع أكبر من كل ده… وجع إن الإنسان يكتشف إن نص عمره اتبنى على أسرار اتخبّت عنه. حسام وقف قدامي وقال: “ندى، متفتحيش الباب غير لما نعرف هو مين.” أحمد كان واقف جنبنا ووشه متوتر. وخالتي أميمة قاعدة على الكرسي بتبكي من غير صوت. جاء صوت الرجل من خلف الباب مرة تانية: “أنا مش جاي أأذيكي يا ندى، ومش هقرب منك، بس من حقك تعرفي الحقيقة كاملة.” بصيت لحسام وقلت: “افتح.”

حاول يمنعني، لكني قلت: “أنا تعبت من الخوف. افتح.” فتح حسام الباب. وظهر رجل مسن، شعره أبيض وملامحه مرهقة، ماسك عصاية بإيده، وعينيه ثابتة عليا بشكل غريب. أول ما شافني، دموعه نزلت. قال: “كبرتي يا ندى.” رجعت خطوة للخلف وقلت: “إنت فؤاد؟” هز رأسه. “أيوه.” قلت: “إنت أبويا الحقيقي؟” قال: “أيوه.” فضلت باصة له ثواني، وبعدها قلت: “لو كنت أبويا، ليه سبتني كل السنين دي؟” نزل عينيه وقال: “أنا ما سبتكيش يا بنتي… أنا اتمنعت عنك.”

رديت بغضب: “أمي؟” قال: “أمك كانت جزء من السبب، لكن مش السبب كله.” دخل فؤاد وقعد، وحسام فضل واقف جنبي. قال فؤاد: “أبوك اللي رباكي كان أعظم رجل قابلته في حياتي. لما عرفت إنك بنتي، كنت عايز أخدك منه، لكنه رفض. قال لي: لو بتحبها، سيبها تعيش مستقرة. وأنا وافقت، لأنني كنت عارف إن وجودي ممكن يهدم حياتك.” قلت: “طب ليه رجعت؟” قال: أحمد قاطعه: “أملاك ندى؟” قال فؤاد: “أيوه. أبوكم كان سجل جزء من أملاكه باسم ندى، عشان يضمن مستقبلها، لكن فيه أشخاص حاولوا يزوروا أوراق ويغيروا الملكية.”

بصيت لخالتي. فقالت وهي بتبكي: “وأنا دخلت في الموضوع غلط، وخوفت من فؤاد، ونقلت له أخبار البيت.” قال فؤاد: “لكنها ما كانتش بتعرف كل حاجة.” سألته: “مين كان بيزور الأوراق؟” سكت. وبعدين قال: “والدتك.” شهقت. “ماما؟!” قال: “أمك حاولت تغير بعض الأوراق، مش عشان تسرقك، لكن لأنها كانت خايفة إن فؤاد ياخد منك كل حاجة لو ظهر في حياتك.” صرخت: “طب ليه ما قالتليش؟!” رد: “لأنها كانت خايفة منك… وخايفة من نفسها.” ساد صمت طويل.

ثم أخرج فؤاد ظرفاً أبيض من حقيبته. قال: “ده الأصل.” مد إيده بالظرف. فتحته. فوجدت عقداً قديماً وشهادة قانونية ورسالة من أبي. قرأت الرسالة. وكان مكتوباً فيها: “يا ندى، لو وصلتي للورقة دي، يبقى لازم تعرفي إن كل اللي عملته كان عشان أحميكي. أمك أخطأت، وفؤاد أخطأ، وأنا أخطأت لما سكت، لكن مفيش حد فينا يملك حق يقرر حياتك بدالك. أنتِ مش ملك لحد. لا لأمك، ولا لفؤاد، ولا حتى لذكرياتي.” انهرت في البكاء. حسام حضنني.

وأحمد كان بيبكي هو كمان. وبينما أنا بقرأ باقي الأوراق، لقيت مفاجأة أخيرة. الأرض فعلاً كانت باسمي. والحساب كان موجود. لكن المفاجأة إن أبويا كان موصي إن جزء كبير من المال يخصص لعلاج الأطفال المحتاجين، والجزء الباقي لي ولأولادي. بصيت لفؤاد وقلت: “يعني كل ده كان عشان فلوس؟” هز رأسه. “لا. الفلوس كانت الشرارة، لكن المشكلة الحقيقية كانت في الخوف والطمع والسيطرة.” في اليوم التالي، طلبت من أمي تيجي. جات لوحدها. كانت أضعف بكتير من آخر مرة شفتها فيها.

وقفت عند الباب ومقدرتش ترفع عيني في عيني. قلت لها: “ادخلي.” دخلت وقعدت. ما اتكلمتش. قلت: “أنا عرفت كل حاجة.” بدأت تبكي. “أنا عارفة.” قلت: “ليه يا أمي؟ ليه عملتي كل ده؟” قالت: “لأني كنت خايفة أخسرك.” قلت: “فخسرتيني.” انهارت في البكاء وقالت: “أنا كنت فاكرة إن السيطرة حماية، وإن خوفي عليكي يديلي الحق أتحكم فيكي. كل ما كنتِ بتكبري، كنت بحس إنك بتبعدي عني. ولما اتجوزتي وخلفتي، بقيت حاسة إن جوزك وبناتك أخدوكي مني.”

سكتت لحظة، ثم قالت: “ولما جيتي عندي بعد العملية، كنت متوترة وتعبانة، وكل حاجة كانت فوق طاقتي. ولما البنات جم وناموا عندك، حسيت إني فقدت آخر حاجة كانت بتربطني بيكي. فبدل ما أضمهم، طردتهم. وأنا من يومها مش قادرة أسامح نفسي.” نظرت لها طويلاً. قلت: “أنا مش هقدر أنسى.” قالت: “أنا مش طالبة تنسي.” قلت: “ومش هقدر أرجع زي زمان.” قالت: “ولا أنا عايزاكي ترجعي زي زمان. أنا عايزاكي تبقي بنتي من غير ما أكون مالكة حياتك.”

كانت أول مرة أسمع منها الكلام ده. لكن كان جوايا جرح عميق. قلت: “هسامحك، بس مش معنى التسامح إن كل حاجة ترجع زي الأول.” هزت رأسها وهي تبكي. “فاهمة.” دخلت البنتان من الغرفة. ولما شافوا جدتهم، وقفوا بعيد. أمي بصت لهم ودموعها نزلت. قالت: “ينفع أحضنكم؟” البنت الكبرى بصت لي. أنا ما أمرتهاش، ولا منعتها. بعد لحظات، قربت منها، ثم قربت أختها. أمي حضنتهم وانفجرت في البكاء. قالت: “حقكم عليا يا حبايبي.” وقفت أتفرج عليهم، وحسيت إن فيه حاجة جوايا بتلتئم.

مش لأنها رجعت زي الأول، لكن لأنها أخيراً اعترفت بغلطها. مرت الشهور.

انت في الصفحة 6 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى