“أبوك كان حاطط حاجة مهمة جداً، ومحدش يقدر يفتحها غير ندى.” قلت: “طب ليه ما قلتليش قبل كده؟” خالتي ردت: “لأن أمك كانت بتراقب كل خطوة حوالين الموضوع، وأنا كنت خايفة لو اتكلمت يحصل لك أذى أو تضيع الأوراق.” أحمد وقف فجأة وقال: “يبقى لازم نروح البنك بكرة.” خالتي قالت بسرعة: “لا.” بص لها باستغراب: “ليه؟” قالت: “لأن أمك عارفة إن الصندوق موجود.” ساد صمت ثقيل. سألتها: “إزاي؟” قالت: اتسعت عيني. “والمفتاح؟” أشارت خالتي إلى الظرف الأصفر وقالت:
“موجود.” قلبت محتويات الظرف، لحد ما لمست أصابعي شيئاً معدنياً صغيراً. سحبته. كان مفتاحاً قديماً مربوطاً بقطعة جلد، وعليها رقم صغير. مسكته وأنا أرتجف. حسام قال: “إذن الصبح نروح.” لكن قبل ما أكمل، سمعنا صوت خبط قوي على باب الشقة. البنات خرجوا من أوضتهم مرعوبين. فجريت عليهم وضمّيتهم، وقلت: “مفيش حاجة يا حبايبي، ماما هنا.” حسام وقف قدام الباب وقال: “مين؟” جاء صوت امرأة من الخارج: “أنا.” تجمدت مكاني. كان صوت أمي. بصيت لخالتي، فكانت مرعوبة.
أحمد قال: “إزاي عرفت مكانك؟” حسام قرب من الباب وقال: “محدش يدخل.” لكن صوت أمي جاء هادئاً جداً: “ندى، أنا مش جاية أزعق، ولا جاية أخد بناتي منك. أنا جاية أقولك حاجة واحدة قبل ما تروحي البنك.” قلبي وقع. حسام بص لي، وأنا قلت له: “ما تفتحش.” أمي قالت من وراء الباب: “لو فتحتِ الصندوق، هتعرفي إن أبوكي ما كانش بيحميكي مني… كان بيحميكي من فؤاد.” صرخت: “فؤاد مـ,ـات من سنين!” ردت أمي: “لا يا ندى.”
ساد صمت رهيب. ثم قالت: “فؤاد عايش.” حسيت إن جسمي كله اتجمد. أحمد فتح عينيه على آخرهما. خالتي حطت إيدها على صدرها. وحسام وقف مش فاهم. أمي كملت: “وفؤاد هو اللي بعت لك الظرف.” نظرت إلى الظرف الأصفر الموجود على الطاولة، ثم إلى المفتاح في إيدي، وشعرت للمرة الأولى أنني ربما لم أكن أنا من اكتشفت السر… ربما السر هو اللي كان بيقودني من أول لحظة. ثم سمعت أمي تقول من خلف الباب: بصيت لبطنـي غصب عني، ووضعت إيدي عليها.
وشعرت بحركة الجنين للمرة الأولى منذ ساعات. عندها فقط فهمت إن الموضوع لم يعد متعلقاً بالماضي وحده… لأن أمي كانت تتكلم عن طفل آخر، طفل قالت إن أبي كان يحاول حمايته، وأنا لم أكن أعرف حتى بوجوده. — ## الصندوق فضلت واقفة مكاني بعد آخر كلمة قالتها أمي من ورا الباب، وحاسة إن الدنيا كلها اتقلبت فوق دماغي. طفل تاني؟! مين الطفل اللي بابا كان بيحاول يحميه؟ وليه أمي كانت بتتكلم كأنها عارفة كل حاجة عن الصندوق وفؤاد والظرف؟
بصيت لخالتي أميمة، لقيتها منزلة عينيها في الأرض. صرخت فيها: “إنتِ عارفة! عارفة مين الطفل ده، صح؟!” رفعت خالتي عينيها، ودموعها نازلة، وقالت: “أيوه يا ندى… عارفة.” حسام وقف قدام الباب وقال لأمي: “لو سمحتي يا حاجة، امشي دلوقتي. ندى تعبانة وممنوع عليها أي ضغط.” لكن أمي ردت من الخارج بصوت غريب وهادئ: “أنا همشي… بس قبل ما أمشي لازم تعرفي إن اللي مكتوب في الصندوق ممكن يغير حياتك كلها. وإنتِ لو فتحتيه من غير ما تعرفي الحقيقة مني، هتفتكري إني كنت وحشة طول عمري، مع إن فيه حاجات عملتها عشان أحميكي.”
رديت عليها من مكاني: “تحميني من مين؟ من أبويا؟ من فؤاد؟ ولا من الحقيقة؟” سكتت ثواني، وبعدها قالت: “من نفسك.” ثم سمعنا خطواتها وهي بتبعد عن الباب. حسام بص لي وقال: “متفتحيش الباب.” هزيت راسي. لكن أول ما اختفى صوت خطواتها، اندفعت ناحية الباب. إلا إن حسام مسكني بسرعة وقال: “ندى، إنتِ مش هتخرجي وإنتِ بالحالة دي.” قلت له وأنا منهارة: “دي أمي! مهما عملت، دي أمي! وأنا لازم أعرف الحقيقة.” خالتي قربت مني وقالت:
“هتعرفي، بس لازم تسمعيني الأول.” قعدنا كلنا. والبنات رجعوا أوضتهم، وحسام قفل باب الغرفة عليهم عشان ما يسمعوش حاجة. خالتي بدأت تتكلم بصوت خافت: “قبل ما أبوكي يتجوز أمك، فؤاد كان بيحبها، وهي كانت بتحبه. لكن لما أهلها رفضوه، اتجوزت أبوكي. وبعد الجواز بسنة، فؤاد ظهر من جديد، وكانت أمك وقتها حامل بيكي.” قلبي اتقبض. قالت: “أبوك عرف إنك بنت فؤاد، لكنه اختار يربيكي، وكان بيحبك أكتر من أي حد. لكنه اكتشف بعد سنين إن فؤاد مش مجرد رجل من الماضي… فؤاد كان داخل في شراكة تجارية مع والدك، والشراكة دي انتهت بخلاف كبير.”
سألتها: “وإيه علاقة ده بيا؟” قالت: “فؤاد كان عايز جزء من أموال أبوكي، ووالدك رفض. بعدها بدأت المشاكل.” حسام قال: “طب الطفل التاني؟” خالتي بصت لي وقالت: “مش طفل بالمعنى اللي في بالك.” قلت: “يعني إيه؟” قالت: “أبوك كان بيستخدم كلمة طفل كرمز في أوراقه، لكن الحقيقة إن الطفل ده شخص بالغ دلوقتي.” حسيت براحة مؤقتة، لكن سرعان ما رجع القلق. “مين؟” خالتي سكتت. قلت بعصبية: “مين؟!” قالت: “أخوك.” بصيت لأحمد. أحمد كان واقف مصدوم.
قلت: “أحمد؟!” هزت خالتي رأسها. “أبوك كان شاكك إن أحمد مش ابنه هو كمان.” أحمد وقع على الكرسي كأنه اتضـ,ـرب. “إيه الكلام ده؟! يعني أنا كمان مش ابنه؟!” قالت خالتي: “أنا ما قلتش إنك مش ابنه، قلت إن أبوكي كان شاكك.” أحمد حط إيده على رأسه وقال: “يعني أمي كانت عايشة حياتها كلها وهي مخبية عننا؟!” قلت: “وليه بابا كان بيحمي أحمد؟” قالت خالتي: “لأن فؤاد كان بيحاول يستغل نسبكم عشان يثبت حقه في جزء من التركة. أبوكي كان خايف إن فؤاد يستخدمكم ضد بعض.”
فجأة حسام قال: “استنى… يبقى الأرض والمبلغ والصندوق مش مجرد ورث.” خالتي بصت له وقالت: “بالضبط.” “أبوك كان عامل صندوق الأمانات عشان يحط فيه مستندات تثبت إن أملاك معينة لا تخص فؤاد ولا والدتك، وإن فيه اتفاقات اتعملت من وراه.” قلت: “يعني أمي كانت بتحاول تاخد أملاك بابا؟” ردت: “أمك كانت بتحاول تمنع فؤاد من الوصول ليها، لكن طريقتها كانت غلط، وغلطها كبر مع الوقت.” نزلت دموعي. قلت: “وده يبرر إنها ترعب بناتي؟” قالت بسرعة:
“لا.” سكتت. ثم قالت: “ولا يبرر إنها تعذبك نفسياً.” قلت: “يبقى ليه أدافع عنها؟” ردت: “أنا مش بدافع عنها، أنا بحاول أخليكي تشوفي الصورة كاملة.” في اليوم التالي، أصر حسام إنه يروح معايا البنك، وأحمد أصر ييجي هو كمان. خالتي رفضت تروح، وقالت إنها هتستنى في البيت. دخلنا البنك. قدمت المفتاح والأوراق، وبعد إجراءات طويلة وصل الموظف للصندوق. فتح الصندوق قدامنا. أول حاجة ظهرت كانت مجموعة ملفات قديمة. وبعدها شريط تسجيل صغير. وبعده ظرف أبيض مكتوب عليه:
“ندى فقط.” إيدي بدأت ترتعش. فتحته. لقيت رسالة قصيرة: “يا ندى، لو وصلتي للصندوق، يبقى كل محاولاتي لحمايتك فشلت. اسمعي التسجيل قبل قراءة باقي الأوراق.” حطينا التسجيل في جهاز صغير كان موجود ضمن محتويات الصندوق. طلع صوت أبويا. صوته. نفس صوته. سمعته بعد سنين، فانهرت من البكاء. قال: “يا ندى… لو بتسمعي صوتي، فأنا غالباً مش موجود. قبل أي حاجة، عايزك تعرفي إنك بنتي مهما كان الدم بيقول إيه. أنا اخترت أكون أبوكي، وده القرار الوحيد اللي عمري ما ندمت عليه.”
سكت التسجيل لحظة. ثم قال: “لكن فيه حاجة لازم تعرفيها. أمك غلطت، وفؤاد غلط، وأنا غلطت لما حاولت أخبي كل حاجة. لكن أكبر خطر مش فؤاد… ولا أمك.” توقف الصوت. حسام قرب من الجهاز. وجاء صوت أبي: “أكبر خطر هو الشخص اللي كان عايش معانا في البيت، وبيسمع كل كلمة بنقولها.” أحمد رفع رأسه فجأة. أنا بصيت له. ثم قال أبي: “الشخص ده كان بينقل أخبارنا لفؤاد.” التسجيل انتهى. ساد صمت مرعب. أحمد قال: “مين؟”
ولا واحد فينا عرف يرد. فتحنا باقي الأوراق. ولقينا كشف تحويلات مالية باسم شخص من العيلة. الاسم كان… أميمة. شهقت. خالتي؟ الشخص اللي كانت واقفة معايا من البداية؟ الشخص اللي قالت إنها بتحمي سر أبويا؟ حسام مسك الورقة وقال:
