منوعات

٣شهور كاملين نايمة عند امي

“أمي.” وبمجرد ما فتح المكالمة، سمعنا صوت أمي من الناحية التانية. لكنها لم تكن بتبكي هذه المرة، ولا كانت بتصرخ… كانت هادئة بشكل مرعب. قالت لأحمد: “إنت عند ندى، صح؟” أحمد سكت. فقالت: “قول لها إن أبوها ما مـ,ـاتش وهو سايب لها سر… أبوها مـ,ـات وهو عارف إني أنا الوحيدة اللي تقدر تحميها من الحقيقة.” ثم أغلقت الخط. نظرت إلى خالتي، فوجدتها تبكي. قلت: “إيه اللي كانت تقصده؟” رفعت خالتي عينيها لي وقالت: “دلوقتي بقى لازم تعرفي…

أمك مش خايفة من الأرض، ولا من الفلوس، ولا حتى من إنك تبعدي عنها…” وسكتت لحظة طويلة. ثم قالت: “أمك خايفة من إنك تعرفي مين أبوكي الحقيقي.” تجمد الدم في عروقي. وسقط الملف من إيدي على الأرض. حسام اندفع ناحيتي يمسك كتفي، وأحمد وقف عاجزًا عن الكلام. وفي اللحظة دي، أدركت إن اللي كنت فاكرة إنه خلاف عائلي عادي، كان مجرد أول باب في سر مدفون من سنين طويلة… **يتبع…**

وقفت مكاني مش قادرة أستوعب اللي الراجل قاله، وبصيت للظرف الأصفر اللي في إيده كأني شايفة شبح قدامي. اسمي كان مكتوب عليه بخط أبويا.نفس الخط اللي كنت بشوفه على ورق المصاريف، وعلى الكشاكيل اللي كان بيكتب عليها ملاحظاته، ونفس الخط اللي حفظته رغم مرور سنين طويلة على . حسام كان واقف جنبي ساكت، لكنه لاحظ إن وشي اتغير فجأة. مد إيده ياخد الظرف، فالراجل سحبه منه بهدوء وقال: “الظرف ده ميتفتحش غير قدامك يا مدام ندى، ويفضل في وجود زوجك، لأن والدك كان محدد شروط معينة للوصية دي.”

بلعت ريقي وسألته: “يعني إيه شرخ كبير في العيلة؟ بابا كان عارف إن حاجة زي دي هتحصل؟” هز راسه وقال: قلت للرجل: “بابا كان عارف إن أمي ممكن  ؟” رد بسرعة: مد الرجل الظرف لي.  ما لمسته، حسيت إن إيدي  . كان الظرف تقيل بشكل غريب، مش مجرد ورق، وحوافه متقفلة بالشمع الأحمر. بصيت لحسام وقلت: “نفتحه في البيت.” ركبنا العربية، وطول الطريق محدش فينا اتكلم. البنات كانوا في الخلف بيتكلموا عن صورة الجنين اللي شافوها على الشاشة، وكل شوية واحدة منهم تقول:

“ماما، البيبي سمعنا؟” وأنا أحاول أبتسم، لكن عقلي كان كله في الظرف. وصلنا البيت، دخلنا البنات أوضتهم، وبعد ما اتأكدنا إنهم مش سامعين، قعدت أنا وحسام على السفرة. حطيت الظرف قدامي، وفضلت ثواني طويلة أبص له من غير ما ألمسه. حسام قال: “لو مش قادرة نفتحه دلوقتي، نستنى.” هزيت راسي وقلت: “لا. أنا تعبت من الأسرار. كل حاجة في حياتي بقت مستخبية ورا باب أو ظرف أو مكالمة. النهاردة لازم أعرف الحقيقة.” فتحت الظرف ببطء، وطلعت أول ورقة.

كانت مكتوبة بخط أبي. وفي أولها جملة قصيرة خلت نفسي يتقطع: “إلى ابنتي ندى… لو وصلتك الرسالة دي، يبقى الوقت اللي كنت خايف منه جه.” اتجمدت مكاني. بدأت أقرأ بصوت مسموع: “يا ندى، لو إنتِ بتقري كلامي ده، فغالباً حصل خلاف كبير بينك وبين أمك. وأنا عارف إنك مهما حصل هتفضلي جواكي حتة صغيرة بتقول: يمكن أنا ظلمتها، يمكن أنا قسيت، يمكن أنا بنت عاقة. عشان كده كتبت لك الكلام ده من سنين، عشان أقول لك حاجة واحدة:

متَحَمليش نفسك ذنب كل حاجة.” نزلت دمعة على الورقة. كمل أبي: “أنا عارف إن أمك بتحبك، لكن حبها ليكي أحياناً بيتحول لرغبة في امتلاكك. من وإنتِ صغيرة وهي شايفة إنك لازم تفضلي جنبها، وكل خطوة في حياتك لازم تمر من خلالها. يمكن كانت خايفة تخسرك، ويمكن كانت بتتصرف بالطريقة اللي اتعلمتها من حياتها، لكن الخوف لما يتحول لتحكم بيكسر اللي بنحاول نحافظ عليه.” حسام مد إيده ومسك إيدي. كملت القراءة، لكن الجملة اللي بعدها خلتني أرفع عيني فجأة:

“وفي حاجة تانية يا ندى، لازم تعرفيها لو حصل شرخ كبير بينك وبين أمك. فيه مبلغ مالي وأصل من أصول العيلة باسمك، وأنا تعمدت ما أقولكيش عنه وقتها، لأنني كنت خايف إن معرفتك بيه تغير طريقة معاملتك لأهلك، أو تخلي حد يضغط عليكي.” حسيت إن الدم انسحب من وشي. بصيت لحسام: “أصل؟ مبلغ؟ يعني إيه؟” فتحنا باقي الأوراق بسرعة. لكن اللي صدمني أكتر إن أبي كتب ملاحظة واضحة: “لا تسلمي أي مستند لأي فرد من أفراد الأسرة مهما كان قريباً منك، ولا تخبري أمك بالمبلغ إلا إذا قررتِ بنفسك.”

حسيت برعشة في إيدي. قلت لحسام: “بابا كان خايف عليهم؟” رد: “واضح إنه كان خايف عليكي.” سكتنا لحظات. وفجأة تذكرت كلام أمي عن كل حاجة تخصني. تذكرت مرات كانت تسألني عن مرتبي، وتدخل في مصاريف بيتي، وتقول لي: “إنتِ بنتي وفلوسك فلوسي، وإحنا أهل.” وقتها كنت بضحك وأعتبرها أمومة. لكن فجأة كل الذكريات بدأت تاخد شكل مختلف. وفي آخر الورقة كانت فيه جملة جعلت قلبي يقع من مكانه: “يا ندى، لو وصلتِ للرسالة دي بسبب خلاف مع أمك، فخدي بالك من أخوك أحمد. هو مش عارف كل الحقيقة، لكنه سمع من والدتك كلاماً عن أملاك والدك لم يكن دقيقاً.”

رفعت عيني ناحية حسام وقلت: “أحمد؟” قال: “أخوكي؟” هزيت راسي. في نفس اللحظة رن جرس الباب. اتخضينا إحنا الاتنين. حسام قام بسرعة وبص من العين السحرية، ثم رجع لي ووشه اتغير. قلت: “مين؟” قال بصوت منخفض: “أحمد.” قلبي دق بعنف. “أخويا؟ هنا؟ دلوقتي؟” هز راسه. بصيت للظرف اللي قدامي، وحسيت إن الليلة دي لسه في أولها. حسام قال: “أفتح له؟” فكرت ثواني، ثم قلت: “افتح، بس متقولوش على الظرف.” فتح حسام الباب. دخل أحمد وهو متوتر بشكل واضح، وبمجرد ما شافني واقفة قال:

“ندى، لازم نتكلم.” قلت: “اتفضل.” بص حوالين الصالة كأنه بيتأكد إن مفيش حد بيسمع، وبعدها قال: “أنا جيتلك لوحدي، ومحدش يعرف إني هنا.” رديت: “خير؟” قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه، وقال: “أنا يمكن ظلمتك.” فضلت ساكتة. كمل: “من ساعة اللي حصل وأنا مش عارف أنام. كل مرة أفتكر إنك خسرتي طفل، وإننا بدل ما نسأل عليكي كنا بنضغط عليكي، بحس إني غلطت.” قلت له: “إنت جاي تعتذر؟” قال: “أيوه، بس مش بس كده. فيه حاجة لازم تعرفيها.”

اتسعت عيناي. قال: تجمدت. حاولت أظهر الهدوء وقلت: “وأنت عملت إيه؟” قال: “سألتها.” “قالت لك إيه؟” سكت لحظة ثم قال: بصيت لحسام، ثم رجعت لأحمد. قلت: “وأنت صدقتها؟” خفض رأسه وقال: “زمان آه، لكن من يومين بدأت أشك.” “ليه؟” قال: “لأن خالتي أميمة اتصلت بيا وقالتلي إن أمي كانت بتسأل عن أوراق أرض أبويا، وإنها خايفة إنك تعرفي حاجة.” حسيت إن الدنيا بتلف بيا. قلت: “إيه اللي كانت خايفة إني أعرفه؟” أحمد بصلي في عيني وقال:

“مش عارف، بس عشان كده جيتلك.” سكتنا جميعاً. ثم مد أحمد إيده من جيبه وطلع صورة قديمة مطوية. حطها قدامي. قلبي خبط. قلت: “الصورة دي جبتها منين؟” قال: “كانت في حاجات أمي مخبياها في دولابها، وأنا لقيتها بالصدفة.” فتحت الصورة من الخلف. ولقيت جملة بخط أبي: “الحق محفوظ باسم ندى، مهما حاول أي حد يغير الحقيقة.” بدأت أرتجف. حسام قال: “يبقى لازم نراجع كل الأوراق قانونياً.” أحمد هز راسه وقال: “وده مش كل حاجة.” بصيت له.

قال: “فيه حاجة .” سألته: “إيه؟” قال: شهقت. “وبعدين؟” قال: “بعدها بأيام، أمي قالت لنا إن أبويا وقع وهو تعبان ومات فجأة.” سكت أحمد، ثم قال: “بس أنا لقيت حاجة في تقرير قديم.” حسيت ببرودة في أطرافي. “إيه؟” طلع ورقة صغيرة من جيبه وقال: وقفت مش مصدقة. قلت: “إنت بتقول إن ماما ممكن تكون…” قاطعني بسرعة: “أنا مش باتهمها. أنا بقول إن فيه حاجات لازم نفهمها.” وقبل ما نكمل، سمعنا صوت مفتاح بيتحط في باب الشقة.

حسام وقف فوراً. أحمد بص ناحية الباب وقال: “مين ده؟” أنا ما جاوبتش. الباب اتفتح ببطء. ودخلت خالتي أميمة. لكن الغريب إنها كانت لوحدها، ووشها كان شاحب جداً. بصت لأحمد، وبعدها لي، وقالت جملة واحدة:

انت في الصفحة 3 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى