وبعدين بصلي بصدمة.وقال:”مريم… أنا بدأت أفهم.”قلت:”تفهم إيه؟”قال:”إنتي مش مجرد متبرعة.””إنتي جزء من القصة من قبل ما تتجوزي سيد أصلاً.”وقبل ما يكمل، تليفوني رن برسالة جديدة.فتحتها.كانت صورة لشهد.وتحت الصورة مكتوب:”لو عايزة بنتك ترجعلك… تعالي لوحدك.”وفي آخر الرسالة عنوان واحد.نفس عنوان المستشفى القديم. الجزء الأخيرأول ما شفت صورة شهد، حسيت إن قلبي اتخلع من مكانه. ماكنتش شايفة غير وش بنتي في الصورة، قاعدة على كرسي ووشها مرعوب، وأنا مش عارفة مين اللي صورها ولا إمتى، لكن الجملة اللي تحت الصورة كانت أوضح من أي حاجة: “لو عايزة بنتك ترجعلك… تعالي لوحدك.”الأستاذ عبد المجيد حاول ياخد الموبايل من إيدي، لكني قفلت الشاشة وقلت:”شهد فين؟
“الضابط رد بسرعة:”أختك قالت إنها مع خالتها.”اتصلنا بأختي.ما ردتش.اتصلنا مرة واتنين وتلاتة.الموبايل مقفول.حسيت الدنيا اسودت قدامي. قلت:”لازم نروح لها.”الضابط قال:”هنروح فوراً.”لكن رانيا مسكت إيدي وقالت:”مريم… استني.”بصيتلها.قالت:”الرسالة دي مش من سيد.”قلت:”عرفتي منين؟”قالت:”سيد عمره ما كان بيستخدم كلمة ترجعلك… كان بيقول خدّي بنتك أو هاتها. الشخص اللي كتب الرسالة عايزك تروحي للمستشفى عشان سبب تاني.”الأستاذ عبد المجيد قال:”عندها حق.”بصيت للضابط وقلت:”يبقى نروح المستشفى.”قال:”بس مش لوحدك.”قلت:”الرسالة قالت لوحدي.”قال:”وإحنا مش هنسيبك.”ركبنا العربيات واتجهنا للمستشفى القديم.طول الطريق كنت ساكتة، وكل دقيقة كانت بتعدي كأنها ساعة.
وأنا ببص من الشباك، افتكرت كل السنين اللي قضيتها مع سيد.افتكرت أول يوم اتقدملي.افتكرت أمي وهي بتقول:”الراجل ده شكله ابن ناس.”افتكرت فرحنا الصغير.افتكرت يوم ولدت شهد.افتكرت أول مرة سيد شالها وقال:”دي بنتي. “وكنت فاكرة إن حياتي أخيراً بقت ليها معنى.ما كنتش أعرف إن نفس الراجل اللي شال بنتي بين إيديه هيبقى في يوم من الأيام جزء من أخطر كابوس في حياتي.
وصلنا المستشفى.المبنى كان مظلــ,,ـــــم.الباب الرئيسي مفتوح.دخلنا.الممرات كانت فاضية.نفس ريحة الكلور.نفس الهدوء.لكن المرة دي ماكنتش مريضة.المرة دي كنت داخلة أدور على الحقيقة.وصلنا عند غرفة العمليات القديمة.الباب كان موارب.وفجأة سمعنا صوت. صوت سيد.”مريم!”طلع سيد من الظلام.كان وشه مرهق، وعينه فيها خوف حقيقي.الضابط رفع سـ,ـلاحه وقال:”مكانك!”سيد رفع إيده.قال:”أنا مش جاي أؤذيها.”بصيتله وقلت:”شهد فين؟”قال:”مش معايا.”صرخت:”كداب!”قال:”والله مش معايا.”قرب مني الضابط ومنعني أتحرك.سيد بصلي وقال:”أنا عارف إنك بتكرهيني.”قلت:”أكرهك؟ أنا كنت داخلة أمــ,,ـــــوت عشانك.”قال:”وأنا كنت غبي.”ضحكت بمرارة:”غبي؟ كنت هتبيع كليتي!”قال:”أنا كنت بحاول أنقذ ياسين.”قلت:”ببيع جسمي؟”سكت.قلت:”كنت عايز تعمل فيا إيه؟”قال:”أنا غلطت.”قلت:”إنت ما غلطتش يا سيد.
.. إنت خططت.”نزل عينه.وبعدين قال:”أيوه.”سكتنا.قال:”بس اللي إنتي مش عارفاه إن الدكتور نبيل هو اللي بدأ كل حاجة. “الأستاذ عبد المجيد قال:”احكي.”سيد بصله وقال:”من خمس سنين، هناء اكتشفت الملفات.”قلت:”وبعدين؟”قال:”الدكتور نبيل كان بيستغل حالات المرضى الفقراء، وبيجمع متبرعين بأسماء مزورة.”قلت:”وإنت كنت معاه.”قال:”في الأول.”قلت:”وفي الآخر؟”قال:”لما هناء عرفت، حاولت تفضحه.”قلت:”ف.ها؟”قال:”الدكتور نبيل هو اللي دبر الدــ,,ـــــادث.”رانيا بدأت تبكي.قالت:”وأنا كنت فاكرة إن سيد .ها.”سيد قال:”أنا حاولت أنقذ ياسين.”بصيتله.”إزاي؟”قال:”لأن ياسين كان ابن هناء.”قلت:”وعارف.”قال:”أيوه.”قلت:”طب ليه غيرت اسمه؟”قال:”عشان أحميه.”قلت:”وتحميه من مين؟”قال:”من الدكتور نبيل.”الأستاذ عبد المجيد قال:”بس إنت كنت هتسرق كلية مريم.”سيد غمض عينه وقال:”أنا اتورطت.”قلت:”اتورطت؟”قال:”الدكتور نبيل هددني.”قلت:”بإيه؟”قال:”قال لو ما جبتش متبرع مطابق لياسين، هيمــ,,ـــــوت.
“سكت.قال:”وبعدين قاللي إن مريم هي المتبرعة المثالية. “بصيتله باحتقار.”عشان كده اتجوزتني؟”سيد ما ردش.وكان صمته أقسى من أي اعتراف.قلت:”اتجوزتني عشان كليتي؟”قال:”في البداية…”ماكملش.أنا حسيت إن كل حاجة جميلة في حياتي اتحولت لحقيقة بشعة.لكن قبل ما أتكلم، سمعنا صوت طفل من آخر الممر.”بابا!”لفيت.كان ياسين واقف عند باب الغرفة.رفيع جداً، ووشه شاحب، لكنه حي.جري ناحية سيد.سيد نزل على ركبته وحــ,,ـــــضنه.أنا بصيت للمشهد، ومشاعري اتلخبطت.كنت أكره سيد.لكن الطفل ماكانش له ذنب.قلت:”فين شهد؟”ياسين بصلي.وقال:”شهد في البيت.”سألت:”أي بيت؟”قال:”الست اللي خدتني من المدرسة قالت إنها هتوديني عندها.
“رانيا صرخت:”مين الست؟”ياسين قال:”ست كبيرة. “الأستاذ عبد المجيد سأل:”شكلها إيه؟”الولد وصفها.وفي اللحظة دي أنا عرفت.قلت:”الحاجة زكية.”لكن الضابط قال:”الحاجة زكية تحت الحراسة.”سكتنا.يبقى مين؟وفجأة جالي اتصال.أختي.رديت:”ألو؟”صوتها كان بيرتعش:”مريم… شهد عندي.”أنا شهقت:”إنتي فين؟”قالت:”في البيت.”قلت:”طب مين اللي بعتلي الصورة؟”سكتت.قلت:”ردي!”قالت:”أنا ما بعتشلك حاجة.”قفلت المكالمة.بصيت للأستاذ عبد المجيد.قال:”يبقى الرسالة كانت طُعم.”وفجأة الضابط استلم اتصال من غرفة العمليات.وشه اتغير.قال:”الدكتور نبيل اختفى.”الأستاذ عبد المجيد قال:”إمتى؟”قال:”من المستشفى الخاص من عشر دقايق. “قلت:”يعني هو كان قريب مننا طول الوقت؟”الضابط هز راسه.وبعدين قال:”وفي حاجة تانية.”قلت:”إيه؟”قال:”ياسين عنده موعد عملية النهارده.”رانيا شهقت.”إيه؟!”قال:”عملية زرع عاجلة.”بصيت لسيد.قلت:”إنت كنت هتعمل العملية النهارده؟”قال:”أيوه.”قلت:”من غير كلية مريم؟”قال:”الدكتور كان مجهز متبرع تاني.”الأستاذ عبد المجيد قال:”مين؟”سيد سكت.قلت:”مين؟”قال:”سعاد.”اتصدمت.”سعاد؟!”سيد قال:”كانت متوافقة مع ياسين.
“الضابط خرج بسرعة.وبعد دقائق عرفنا إن سعاد كانت في المستشفى الخاص فعلاً.لكنها اختفت قبل العملية بساعات.بقى واضح إن الدكتور نبيل كان بيحاول ينقل ياسين لمكان تاني.لكن ليه؟وصلنا لمخزن تابع للمستشفى بعد تتبع آخر إشارة من هاتف الدكتور. فتحنا الباب.الدكتور نبيل كان واقف هناك.وأمامه شنطة كبيرة.وأول ما شاف الشرطة رفع إيديه.لكن أنا لاحظت حاجة على الترابيزة.ملف قديم.قربت منه.كان مكتوب عليه:”مريم محمود.”فتحت الملف.لقيت شهادة ميلادي.وصور من وأنا طفلة.وتقرير طبي قديم.وقلت:”إنت كنت بتراقبني من وأنا طفلة؟”الدكتور نبيل سكت.قلت:”ليه؟”قال:”لأن والدك كان واحد من المتبرعين عندنا.
“اتصدمت.قال:”والدك توفى بعد عملية تبرع فاشلة.”الأستاذ عبد المجيد قال:”يعني عيلة مريم كانت مرتبطة بالملف من زمان.”الدكتور نبيل قال:”هناء كانت تعرف الحقيقة. “قلت:”وعشان كده سجلتني؟”قال:”هناء كانت بتحاول تستخدمك عشان تكشفنا.”قلت:”وإنت كنت عايز ت.ني؟”قال:”كنت عايز كليتك.”بصيتله.وقلت:”عشان ياسين؟”هز راسه.قلت:”ولا عشان شخص تاني؟”سكت.الأستاذ عبد المجيد قرب منه وقال:”اتكلم.”الدكتور نبيل قال:”ياسين كان مجرد بداية.”قلت:”يعني إيه؟”قال:”كان فيه مريض آخر.”الضابط سأله:”مين؟”الدكتور نبيل بصلي.وقال:”مريم.”أنا اتجمدت.قلت:”أنا؟”قال:”أيوه.”قال:”إنتي كنتي المريضة الحقيقية في ملف قديم، لكن حد بدّل البيانات.”الأستاذ عبد المجيد فتح الملف بسرعة.
وكان فيه تقرير طبي باسمي.التقرير كان بيقول إن عندي مرض وراثي نادر، وإن فيه احتمال كبير إني أحتاج زراعة كلية في المستقبل. لكن التقرير كان مزور.الأستاذ عبد المجيد قال:”ده كذب.”الدكتور نبيل ابتسم.”أيوه.”قلت:”ليه عملتوا كده؟”قال:”عشان نقدر نراقبك طبياً من غير ما تشكي.”قلت:”بس أنا عشت 43 سنة وما احتجتش زراعة.”قال:”لأنك أصلاً ماكنتيش مريضة.”سكت.ثم قال:”لكن توافقك الحيوي كان نادر جداً.”فهمت أخيراً.أنا ماكنتش مختارة عشان سيد.ولا عشان ياسين.ولا عشان فصيلتي بس.كانوا عايزين يستخدموا جسمي من سنين.