يعني كل اللي اتقال لينا ده كان كدب
سكتت لحظة
وبصت له بثبات وقالت بهدوء يقطع القلب
لا يا معتز ما كانش كدب.
جدي الله يرحمه كان شايف إن تعليم البنات عيب
وإن البنت مكانها البيت مش المدارس.
بس بابا
بابا ما قدرش يشوفني محرومة من حلمي
فكان بيعلمني في السر.
نزلت دمعة صغيرة من عينيها وهي بتكمل
كنت بذاكر بالليل من وراه
وأمي الله يرحمها كانت بتغطي علي.
ولما جدي توفى
فضلنا ساكتين
ما حدش عرف إني كملت
ولا إن عندي شهادة
ولا حتى إن عندي حلم.
رفعت راسها وقالت بصوت قوي جدا
فمتستغربش إنك ما كنتش عارف
ولا تستغرب إن الجاهلة طلعت دكتورة.
أنا كنت بس بستنى وقتي
والوقت جه.
اتسمر معتز مكانه
مش قادر يرد
وهي عدت جنبه بخطوات بطيئة
وقالت قبل ما تمسك مقبض الباب
الجهل يا معتز مش إنك ما تعرفش
الجهل إنك تفتكر إنك تعرف كل حاجة.
وسابت الكلمة دي في وشه
وخرجت
علشان تسيب وراها صمت تقيل
وصوت نفسه العالي
اللي أخيرا ما عرفش يرد عليه.
وسابته بين الغيظ والدهشة والكبرياء اللي بيتكسر حتة حتة.
بعد ما خرج معتز من الأوضة رازع الباب وراه
فضلت فرح قاعدة مكانها ساكتة
النفس بيطلع منها تقيل
مش عشان الزعل لأ عشان الۏجع اللي جوهها كان أعمق من أي كلمة.
دقت الباب بهدوء ومرات عمها دخلت وهي شايلة كوباية عصير.
قالت بنبرة حنونة
معلش يا بنتي ما تاخديش على كلام معتز
هو ساعات بيقول كلام من غير قصد.
فرح رفعت عينيها وقالت بهدوء
لا يا طنط ما زعلتش.
كل واحد بيشوف الناس بعين نفسه.
مرات عمها اتنهدت وقالت
والله ما قصده هو بس اټصدم.
يعني ما حدش كان متخيل إنك دكتورة وده مش عيب ولا حاجة
بس يمكن اتربى على أفكار قديمة شوية.
فرح قالت بنبرة فيها ۏجع هادي
الأفكار القديمة مش بتوجع
اللي بيوجع إن الناس تفضل متمسكة بيها كأنها حقيقة.
سكتوا لحظة والجو بقى هادي أوي.
فرح قالت بعد ثواني كأنها بتحاول تغير الموضوع
هو يا طنط في واحد في الشارع اسمه ياسين
مرات عمها بصتلها باستغراب خفيف وقالت
آه في ياسين. ليه تعرفيه
لا بس سمعت الاسم كده.
أيوه هو ساكن آخر الشارع.
الناس بتقول عليه كلام كتير
فيه اللي شايفه بلطجي وفيه اللي يقول عليه راجل محترم
بس اللي أنا أعرفه إنه ما بيأذيش حد
هو صوته بس العالي هو اللي پيخوف الناس منه.
هو كده من ساعة ما نقل هنا مندفع شوية بس قلبه أبيض.
فرح قالت بهدوء
شكله حد مش سهل.
مرات عمها ابتسمت وقالت
فعلا مش سهل.
بس في نفس الوقت ما يتقسيش عليه.
هو ابن حتته بس لو شاف ظلم قدامه ما يسكتش.
فرح هزت راسها وقالت
فهمت
مرات عمها بصتلها كأنها بتحاول تقرأها وقالت
سألتي عليه ليه يا بنتي
فرح ردت بسرعة وهي بتحاول تخفي ارتباكها
لا خالص الاسم بس عدى في كلام كده.
تمام يا حبيبتي طب ريحي شوية وانزلي على الغدا بعدين.
ولما خرجت مرات عمها وسابت الأوضة
فرح فضلت تبص ناحية الشباك
تفكيرها مشي بعيد
مش عارفة ليه الاسم ده ما خرجش من دماغها من ساعة الصبح.
ابتدت الايام تعدي ببطء غريب
كل يوم يشبه اللي قبله
لكن في تفاصيل صغيرة كانت بتتغير من غير ما حد ياخد باله.
من أول ما جيت القاهرة
كل خروجة كل طريق كل وش جديد كنت بشوفه
بقى ليه معنى.
وفي النص كده
بقى في وش معين بقيت بشوفه دايما.
ياسين.
مش قصدي أستناه
بس كنت
ألاقي نفسي كل يوم بشوفه
حتى لو من بعيد.
كأنه جزء من الصورة اليومية
زي الطريق زي الناس اللي رايحة وجاية.
وجوده بقى عادة غريبة
عيني تتعلق بيه ثواني وبعدين أكمل طريقي كأني ما شفتش حاجة.
بس جوايا دايما في حاجة بتتحرك.
ارتياح فضول مش عارفة.
كنت بسمع كلام كتير عنه
اللي يقول عليه بلطجي
واللي يقول عليه راجل جدع
بس اللي شفته بعيني كان غير كده خالص.
كل مرة أشوفه ألاقيه واقف يساعد حد أو شايل حاجة عن حد كبير
من غير ما يتكلم كتير
ولا حتى يبان عليه إنه بيعمل معروف.
كأنه بيعمل الصح وخلاص.
وفي نفس الوقت
معتز
اللي كنت متأكدة إن مفيش بيني وبينه غير الخناق
ابتدى يتغير.
بقى بيتكلم بهدوء أكتر
يتعامل بطريقة ألطف شوية
بس رغم كده
لسه النظرات هي هي.
فيها استغراب وفيها حاجة مش مفهومة
كأنه مش قادر يصدق إني بقيت هنا
ولا إني بقيت زيه بالظبط دكتورة.
أوقات كنت بحس إنه بيحاول يفهمني
وأوقات تانية بحس إنه لسه شايفني أقل.
بس أنا كنت خلاص بطلت أبرر
ولا حتى أضايق.
بقيت بتعامل معاه بعادي
وأكبر دماغي من كل حاجة.
يمكن عشان اتغيرت
يمكن عشان بقت عندي حياة تانية بشوف فيها الناس بطريقة مختلفة.
كنت بين عالمين
واحد مليان هدوء وكلام محسوب
والتاني بسيط وصادق حتى في سكوته.
ومع إن مفيش حاجة واضحة
بس كل يوم بيعدي كنت بحس إن في حاجة جديدة بتتكتب في حياتي
من غير ما أعرف نهايتها هتكون إيه.
ومن ناحية تانية
اتعرفت على بنت جديدة في الجامعة
اسمها نور
خفيفة الډم طيبة ودخولها حياتي جه في وقته.
الكلام معاها كان سهل
الضحك بيروح وييجي بينهم من غير مجهود
ومن أول كام يوم بقت نور مش مجرد زميلة
بقت صاحبتها القريبة
اللي بتحكي لها عن كل حاجة بتحصل في حياتي.
وفي يوم عادي جدا
وهي راجعة متأخرة شوية
حصل موقف بسيط بس غير نظرتها ليه.
ما كانتش عارفة توصف اللي شافته
يا عم سيبه يعدي!
لا والله ما يعدي دا خبطني بالعجلة وبيعمل فيها براءة!
اتلم الناس والعيال الصغيرين واقفين على الرصيف بيتفرجوا
وفرح كانت جاية في السكة شنطتها على كتفها
وقلبها دق لما سمعت الصوت الخشن اللي كانت سامعاه قبل كده
ياسين.
كان داخل من آخر الشارع صوته عالي وهو بيزعق
إيه اللي حاصل هنا يا ولاد ال
واحد من الشابين لف وقال له
مالك يا معلم ياسين احنا كنا بنهزر مع الراجل بس.
ياسين بص له من فوق لتحت وقال ببرود
هزار
قرب منه خطوتين وقال له وهو بيزقه بزراعه
لما تهزر مع حد في سن أبوك يبقى اسمها قلة أدب مش هزار فاهم
الشاب التاني رد عليه وهو متعصب
ما تعليش صوتك علينا يا ياسين إحنا مش شغالين عندك!
ضحك ياسين ضحكة خفيفة بس فيها ټهديد
لأ ما انتوش شغالين عندي بس لو حبيت أخليكوا تشتغلوا عندي يوم واحد هتشتغلوا وأنتوا ساكتين.
الناس اتسكتت والراجل الكبير وقف بيقول
خلاص يا ابني سيبهم أنا تمام.
بس ياسين لسه متعصب قال وهو بيقرب من الشاب اللي بدأ الخناقة
قول للراجل حقك عليا دلوقتي ولا أخليك تاكل الرصيف بأسنانك.
الواد اتوتر وقال وهو بيبص حواليه
حقك عليا يا عمي أنا كنت غلطان.
ياسين رفع حاجبه وقال
بس كدهشوفت سهلة اهي مش ناقصين پهدلة كل يوم.
الموقف خلص والناس بدأت تمشي
بس ياسين وهو ماشي الراجل الكبير مسكه من دراعه وقال له
ربنا يباركلك يا ابني.
ضحك ياسين وقال
علي اية يا حاج انت في مقام ابويا.
فرح كانت واقفة بعيد شايفة كل ده
مش قادرة تبصله عادي
اللي شايفاه مش بلطجي زي ما الناس بتقول
شايفاه راجل عنده شهامة وجدية غريبة عليها.
مشيت وهي في بالها كلمة واحدة
فيه حاجات شكلها غلط بس جواها الصح كله.
تاني يوم وهي راجعة من الكلية
لاحظت الشارع مش طبيعي
الناس مجتمعة وستات بتتكلم من البلكونات
وصوت الهمس مالي المكان.
قلبها اتقبض حست إن في مصېبة.
وقفت عند راجل كبير واقف على ناصية الشارع وقالت له
هو في إيه يا عمي إيه اللي حصل ليه الناس مقلوبة كده
الراجل نفخ وقال وهو بيهز راسه
آه يا بنتي البوليس كان هنا من شوية و الدنيا كانت مولعة.
اتسعت عينيها وقالت بسرعة
بوليس! ليه حصل إيه
قرب منها وقال بصوت واطي كأنه بيحكي سر
واخدين الواد ياسين.
اتجمدت الاسم وقع عليها تقيل.
ياسين ليه!
والله يا بنتي ما حد فاهم
الناس تقول تحريات في قضية وناس تقول سړقة وناس تانية تقول ڼصب
بس كله كلام محدش عارف الصح من الغلط.
بيقولوا كان فيه خناقة كبيرة من كام يوم
وياسين اتدخل وضړب واحد من الكبار اللي طلع ليه سكة مش مظبوطة
ومن ساعتها الدنيا مقلوبة.
فرح حست إن الكلام مش داخل عقلها.
إزاي ياسين اللي كانت كل يوم تشوفه بيهزر مع العيال ويضحك
يتقال عليه الكلام ده
هو اللي كانت دايما تلاحظ فيه الشهامة
اللي بيقف في ضهر الناس من غير ما يستنى شكر.
الراجل كمل وهو بيحك دقنه
بس الشهادة لله يا بنتي
الواد ده ما شفتش منه حاجة وحشة.
آه ممكن صوته يعلو ممكن يخش في خناقة
بس عمره ما ظلم ولا أذى حد.
ده حتى من كام يوم لما شوية صيع كانوا بيضربوا راجل كبير
هو اللي نزل جري ودافع عنه كأنه أبوه
والله لولا هو كان الراجل ده راح فيها.
الناس بقى تقول عليه بلطجي بس أنا أقول عليه راجل جدع وابن حلال.
فضلت واقفة ساكتة كل كلمة بتدخل جواها زي سهم.
الشارع بقى هادي بعد ما العربيات مشيت
بس جواها كان فيه دوشة
حيرة خوف وقلق مالوش تفسير.
مشيت ببطء قلبها ۏاجعها
مش عارفة تصدق الكلام ولا تصدق اللي شافته فيه قبل كده
بس جواها إحساس غريب
كأنها أول مرة تحس بالخۏف على حد مش المفروض يهمها بالشكل ده.
كل ما تفتكر الضحكة اللي كان بيضحكها وهي معدية
تحس إن الدنيا بتغلط في حقه.
بس السؤال اللي فضل يعذبها
هو فعلا عمل حاجة
ولا الناس ظلمته زي ما بتحب دايما تعمل مع الجدعان
دخلت فرح البيت وهي تايهة ومش في دماغها أي حاجة.
الشارع صوت الناس الكلام عن ياسين كله كان بيلف في دماغها.
ولا قادرة تفهم هو مظلوم ولا فعلا عامل مصېبة.
دخلت أوضتها وسندت ضهرها على الباب
نفسها تهدى دقيقة
بس لسه ما لحقتش تاخد نفسها
سمعت خبط خفيف.
مين
جالها صوته من بره ووشها اتبدل في لحظة
أنا معتز.
سكتت لحظة
وبعدين قالت بثبات وهي بتحاول تسيطر على صوتها
اتفضل.
فتح الباب ودخل
وشه كان مشدود صوته هادي بس فيه ڠضب متكتوم.
قال وهو واقف في نص الأوضة
فرحأنا عايز أتكلم معاك كلمتين.
رفعت عينيها له وقالت بهدوء
تمام اسبقني على الصالونونادي مرات عمي تيجي تقعد معانا.
وأنا خمس دقايق وجاية.
بصلها بنظرة طويلة ما فهمتش معناها
وبعدين هز راسه وساب الأوضة من غير ولا كلمة.
قفل الباب وراه بهدوء
وساب بعدها فرح واقفة مكانها
تحاول تفهم هو جاي يقول إيه المرة دي.
يتبع.
فرحأنا عايز أتكلم معاك كلمتين.
رفعت عينيها له وقالت بهدوء
تمام اسبقني على الصالونونادي مرات عمي تيجي تقعد معانا.
وأنا خمس دقايق وجاية.
بصلها بنظرة طويلة ما فهمتش معناها
وبعدين هز راسه وساب الأوضة من غير ولا كلمة.
قفل الباب وراه بهدوء
وساب بعدها فرح واقفة مكانها
تحاول تفهم هو جاي يقول إيه المرة دي.
وهي فضلت واقفة مكانها كام ثانية
بتسمع صدى خطواته لحد ما اختفى.
حست إن قلبها اتقبض
مش عارفة ليه الإحساس ده جواها بيقول إن الكلام اللي جاي مش بسيط.
قعدت فرح ساندة ضهرها على الحيطة
بتبص للنقطة اللي كان واقف فيها.
تنهدت وقالت في نفسها وهي ماسكة قلبها
استر يا رب يا ترى عايز إيه المرة دي
ولا هيجي يعايرني بكلمة تانية
هو معتز مش بيزهق من الكبرياء ده
بس خلاص أنا مش ناوية أزعل ولا أضعف.
وياريت المرة دي تكون جاي يتكلم بالعقل مش بالغرور بتاعه.
وقفت قدام المراية تعدل الطرحة
نفسها طالع داخل كأنها داخلة امتحان
وبعدين خرجت على الصالون بهدوء..
دخلت الصالون
كان معتز قاعد مستنيها
إيده متشابكة باين عليه القلق
أول ما شافها وقف بسرعة كأنه مش عارف يبدأ منين.
قال بصوت واطي بس واضح فيه اضطراب خفيف
فرح أنا عايز أقولك كلمتين بس اسمعيني للآخر.
بصت له بنظرة متحفزة وقالت بهدوء
تفضل أنا سامعاك.