لما شفته معدي من قدام القسم وهو متكلبش، عينيه جت في عيني.. المرة دي هو اللي كان مك.سور ومذ.لول، وأنا اللي واقفة مع عيالي وراسي مرفوعة فوق في السما. وقفت قدام وكيل النيابة ورأسي مرفوعة، والتقرير الطبي في إيدي، وعيالي واقفين جنب بيشهدوا بكل كلمة حصلت. مرسي كان واقف في الكلبشات، وشه أصفر، وعينيه في الأرض، مش قادر يبص في عيني ولا في عين عياله. وكيل النيابة بص له بحزم وقال له:
ـ “المتهم مرسي.. التقرير الطبي مطلع كدمات وسحجات واشتباه في ك.سر، وأقوال الشهود والعيال بتأكد إنك اقتحمت الشقة وهددتها بالق.تل عشان تجبرها تتنازل عن قرار تمكين صادر من النيابة العامة.. إيه قولك؟” مرسي بدأ يتلعثم ويتلجلج في الكلام: ـ “يا باشا دي مراتي وحبيبتي، وساعة غضب.. وهي اللي استفزتني!” رد عليه وكيل النيابة بصوت هز الأوضة: ـ “ساعة غضب تتعدى فيها على حرمة مسكن وتضر.ب أم عيالك بالقسو.ة دي؟!” وصدر القرار فوراً: **حبس المتهم مرسي أربعة أيام على ذمة التحقيق، وتجديد الحبس في الميعاد.**
لما الشرطة أخدته ورايحين بيه على التخشيبة، ضرتي كانت واقفة برة النيابة بتعيط وتولول، أصلها اكتشفت إن الشقة راحت، وجوزها المحامي قال لها إن ق\ضية التعدي والضر.ب دي ممكن تحبسه سنة أو سنتين استئناف. أول ما شافتني طالعة، قربت مني وهي بتترعش وقالت بصوت مك.سور: “يا أماني.. أبوس إيدك تنازلي عن المحضر! مرسي هيضيع ومستقبله هيتدمر، وأنا حامل ومش حيلتي حاجة ولا ليا حد يصرف عليا!” بصيت لها بمنتهى الهدوء، افتكرت اليوم اللي كنت واقفة فيه تحت رجلها بمسح الأرض ودموعي نازلة، وهي قاعدة بكل برود بتلعب في الموبايل وتأمر وتنهي.
رديت عليها بصوت ثابت هز المكان: ـ “الدموع دي كان الأولى تبكيها على نفسك يوم ما وافقتي تظلمي ست زيّك وتيجي على حق عيال مالهمش ذنب. أنا ما ظلمتوش.. هو اللي ظلم نفسه واستقوى عليا، والقانون دلوقتي بياخد حق كل دمعة نزلت من عيني وعين عيالي.” سبتها ومشيت، وأنا حاسة إن حسرتها ورعبها هما العقاب العادل لكل قسوة شفتها منها.
مرت الأيام، وأنا بدأت أقف على رجلي بجد. نزلت دورت على شغل، والحمد لله ربنا فتحها في وشي وقدرت اشتغل وأوفر لعيالي كل اللي محتاجينه. والنيابة حكمت لي بـ **نفقة زوجية ونفقة صغار وأجر مسكن**، بقى يتاخد من مرتبه ومن أملاكه بقوة القانون، من غير ما أترجاه في قرش واحد ولا أستنى منه حسنة. في يوم، كنت قاعدة في شقتي المبسطة النظيفة، العيال حوليا بيكتبوا واجباتهم وبيضحكوا، والبيت مليان دفء وأمان لأول مرة من سنين طويلة.
ابني الكبير قرب مني، مسك إيدي وباسها وقال لي: ـ “عرفتي يا ماما؟ الناس في المنطقة مابقوش يقولوا عليكي اللي كانوا بيقولوه زمان.. النهاردة كل الناس بتقول إنك ست بمليون راجل، وإنك حاربتي عشاننا وجبتيلنا حقنا.” الكلمة دي نزلت على قلبي زي المطبخ البارد في حر الصيف. ساعتها بس عرفت إن السكوت على الظلم عمره ما كان تضحية، وأن قوة الأم وكرامتها هما الحماية الحقيقية لعيالها. رفعت راسي للسما وقلت: “الحمد لله.. مابقيتش الست المك.سورة، ولا بقيت رخيصة.. أنا أم عرفت تاخد حقها وحق عيالها بشرف وكرامة.
بعد ما اتجدد حبس مرسي، أهل الخير اتدخلوا ودفعلوا كفالة عشان يخرج على ذمة الق\ضية لحد جلسة المحاكمة. خرج من السجن وهو حاسس بالك.سرة والغل، الدنيا كلها اسودّت في وشي. لا بقاله هيبة قدام الناس، ولا أخد الشقة، ومرتبه اتقص منه نفقة للعيال بالقانون. رجع بشنتطه على الشقة القديمة بتاعة أمه تحت.. الشقة اللي كان فاكر إنه رمى فيها “أم عياله” عشان تتداس، بقى هو اللي محبوس فيها.
أول ما فتح الباب ودخل، كانت ضرتي قاعدة على الكنبة القديمة، وراسمة التكشيرة على وشها. لا قامت استقبلته ولا حتّى سألت فيه. كانت الأوضة مكركبة، والفرش القديم مغطى بالتراب، ولا في أكل ولا شرب. وقف مرسي قدامها وهو تعبان ومظلوم من حبسة التخشيبة، وقال بصوت مخنوق: ـ “إيه يا هدى؟ ولا كلمة حمد لله على السلامة؟ ولا حتّى كوباية مية لراجل طالع من الحجز؟” بصت له بمنتهى القرف والازدراء، وقامت وقفت وهي فاردة إيدها وبتزعق بصوت عالي:
ـ “حمد لله على السلامة على إيه يا خويا؟ على الفضيحة اللي عملتهالنا في المنطقة؟ ولا على قعدة الحارة والشقة القديمة اللي رميتني فيها دي؟ أنا اتجوزتك عشان أتدلع وأعيش في العز الشقة اللي فوق، مش عشان تقعدني في الكركبة والفرش المعفن ده!” مرسي اتصدم من أسلوبها، هو اللي كان متعود على الدلع والكلام الناعم يوم ما كان بيغيظني بيها. قرب منها بغضب وقال: ـ “أنتِ بتعلي صوتك عليا؟ نسيتي نفسك ولا إيه؟ أنا مرسي اللي غرقك لبس ودلع، والظروف دي غصب عني بسبب المحاكم والقضايا!”
ردت عليه بشرارة وشماتة هزت كيانه: ـ “دلع إيه ولبس إيه؟ أنت بقيت رد سجون، ونصف مرتبك رايح لأماني وعيالها! أنا مش هقعد في الفقر ده، ومش هخدمك في الشقة القميئة دي.. روح هات أماني تخدمك وتخدمك زي ما كنت عاملها خدامة، إنما أنا هدى.. والوضع ده مش عاجبني وميلزمنيش!” الكلمة نزلت على مرسي زي النار. افتكر الفرق بين الست اللي صرت معاه على الحلوة والمرة وسكتت على فقره سنين وحافظت على بيته، وبين الست اللي اشتراها بالفلوس وأول ما الهوا اتقلب، تخلت عنه ودست على وشّه.
من كتر الغل والد.م اللي فار في دماغه، ما حسش بنفسه.. صرخ فيها: ـ “أنتِ بتقلبي عليا يا خاينة؟” ورفع إيده وضر.بها بالقلم على وشها. هدى اتجننت، هجمت عليه بشوافرها وبتصوت وب ت ش تمه بأبشع الألفاظ. الشجار بينهما كبر، والضر.ب بقى من الطرفين، وفي وسط الزعيق والرقع، مرسي زقها بكل قوته عشان يبعدها عنه.. هدى فقدت توازنها، ووقعت على طرف الترابيزة الخشب القديمة، ونزلت على الأرض بصوت مرعب وهي بتصرخ ماسكة بطنها: ـ “آآآه.. بطني يا مرسي! العيل.. العيل بيمو.ت!”
مرسي وقف في مكانه متثمر من الصدمة والرعب، شايفها بتتلوى على الأرض والد.م بيسيل منها. اتنقلت للمستشفى في حالة حرج، والدكاترة بلغوه بالخبر الصدمة: ـ “الجنين نزل.. للأسف الشديد سقطت، والتعدي سبب لها نزيف حاد.” في لحظة واحدة، مرسي خسر كل حاجة.. خسر العيل اللي كان طالع بيه السماء، وخسر هدى اللي رفعت ق\ضية عدم تعرض وجناية ضر.ب أدت لإجهاض، وخسر كرامته وشقته وأم عياله.
قعد على رصيف المستشفى لوحده في الضلمة، حاطط راسه بين إيديه وبيعيط بدموع الندم المرة. افتكر أماني، افتكر دعوتها عليه يوم ما رمى طبق المية والملح، وعرف إن عدالة ربنا بطيئة بس سريعة في الأخذ.. وأن اللي يظلم أم عياله عشان شهوته وكبره، ربنا بيك.سره من نفس العين اللي استقوى بيها.
مرسي قعد على رصيف المستشفى والدموع مغرقة وشه، الليل كان كاحل والبرد بياكل في جسمه، بس البرد اللي جوه قلبه كان أصعب بكتير. افتكر كل لحظة ظلم فيها أماني.. افتكر لما كان بيديها المصروف باليومية عشان يذلها، افتكر لما ساب هدى تداس عليها وتحاسبها، وافتكر يوم ما أجبرها تطلع تمسح وتنضف وهي كسيرة الجناح. فجأة، تليفونه رن.. كان المحامي بتاعه. رد مرسي بصوت رايح ومك.سور: ـ “أيوة يا أستاذ..” المحامي قال له بنبرة جافة وخالية من أي تعاطف:
ـ “يا مرسي، المحضر اللي عملته هدى في القسم تقيل أوي، تقرير المستشفى كاتب إجهاض ناتج عن ضر.ب وتعدي، وأهلها نازلين القسم دلوقتي ومصممين يلبسوك قض\ية جناية.. ده غير إن جلسة المحاكمة في ق\ضية أماني الأسبوع الجاي والتقرير الطبي بتاعها مع المحامي كفيل يوديك في داهية. اجهز، البوليس بيدور عليك.” التليفون وقع من إيد مرسي على الأرض. حاسس إن الدنيا كلها قفلت في وشه تمت

