منوعات

جوزى تاجر موبيليا

بصيتله من فوق لتحت بنفس النظرة اللي بصلي بيها يوم الافتتاح، وقولتله بصوت هادي قطّع أنفاسه: “أنا مابخربش بيت يا عبد الله، أنا باخد حقي وحق شقايا اللي س،رقته.. الدهب اللي على رقبة الهانم هيتسلم للمحكمة، والفرع اللي فرحان بيه هيتقفل بالشمع الأحمر لحد ما نصيبي يرجع بالمليم.. وريني بقى مين فينا اللي هيقعد يشحت دلوقتي.”

نيرمين وشها بقى لونه أصفر زي الليمونة، عينيها راحت للدهب اللي في إيدها ورقبتها، وبدأت تتراجع لورا بخ،وف وهي بتداري الغوايش بكم فستانها. المحضر شاور لأمينة الشرطة اللي واقفة مع القوة، وقربت منها بثبات وقالت بصوت صارم: “هاتي المصوغات دي بهدوء يا مدام، كل جرام هنا مثبت في محضر حصر رسمي ومطابق لفواتير الصاغة اللي باسم الأستاذة، المقاومة مش هتفيدك غير بق\ضية مقاومة سلطات.”

نيرمين بصت لعبد الله وصرخت بعصبية وهي بتفرك في إيديها: “اعمل حاجة يا عبد الله! هتسيب الشغالة دي تقلعني دهبي وتهيني قدام الناس؟ اتصرف يا راجل!” عبد الله كان واقف متخشب في مكانه، العرق بينزل شلالات من جبهته، والتجار اللي كانوا قاعدين يوقعوا معاه العقود بدأوا يلموا حاجتهم وينسحبوا واحد ورا التاني والهمسات بتملا الصالة: “ده طلع نصاب وباني عزه على شقى مراته.. يلا نلحق شيكاتنا وبضاعتنا قبل ما المعرض يتقفل!”

قرب عبد الله مني بخطوات مهزوزة، صوته اللي كان بيهدد بيه اتكسر وبقى شبه الرجاء: “فوزية.. اسمعيني بس، بلاش فضايح قدام الناس والسوق، كل حاجة تتحل ودي.. إنتِ أم عيالي وليكي غلاوتك، تعالي نقعد ونتكلم في الشقة ونتفاهم، وحقك هتاخديه تالت ومتلت، بس مش كدا يا بنت الأصول!” بصيت في عينيه اللي كانت مكسورة بالذل، ونفس العيون دي من أسبوعين بس كانت بتبصلي باحتقار وبتشاور للأمن يرميني في الشارع. ابتسمت ابتسامة باردة ومسحت على ياقة عبايتي وقولتله:

“بنت الأصول مبتقعدش مع قليل الأصل يا عبد الله.. والود اللي بتتكلم عنه دفنته بإيدك يوم ما سميت شقايا فقر ووقفت تتفرج على مرارتي وتضحك. الشمع الأحمر ده مش بس هيقفل باب المعرض، ده هيقفل باب عزك المزيف كله.” الشرطة شمعت الأبواب بالكامل وسط عياط نيرمين وصريخها اللي ملا الشارع، وعبد الله واقف على الرصيف مذهول، باصص للمحل اللي طار من بين إيديه في دقايق. لفيت ضهري ومشيت بخطوات ثابتة وراسي في السما، سامعة رنة كعبي على الأرض بتعلن بداية جديدة، مش بس لرجوع حقي، لكن لكسرة كل ظالم فاكر إن حق الغلابة بيضيع بالفهلوة.

مرت شهور طويلة كانت المحاكم فيها بيتي التاني، مشاوير ومذكرات وجلسات مابتخلصش، بس كان عندي يقين إن ربنا مش هيضيع شقايا. وبعد معارك قانونية حامية كشفت كل تلاعبه، المحكمة أصدرت حكمها النهائي بقسمة الأصول والتخارج، أخدت فرعين بحكم قضائي بات — الفرع الرئيسي القديم وأكبر فرع فيهم — وهو رسي على الفرعين التانيين، غير إلزامه برد قيمة الدهب كاملة ونفقات الأولاد بأثر رجعي.

من أول يوم استلمت فيه الفرعين بتوعي، شمرت عن دراعي ونزلت بنفسي، نسيت التعب وقلة النوم. غيرت اليافطة بالكامل وخليتها باسم والدي الله يرحمه، ورجعت العمال القدامى والصنايعية الشاطرين اللي كان طاردهم عشان يوفر أجورهم، وبدأت أشتغل على خامات نظيفة وتشطيبات على أعلى مستوى وبأسعار عادلة. ثقتي في السوق وأمانتي مع التجار الكبار اللي عرفوا أصل الحكاية خلت المعارض عندي متفضاش، والطلبيات تنزل فوق راسي من كل المحافظات، واسمي كبر وبقى علامة مميزة في عالم الموبيليا. على الناحية التانية، كانت الدنيا بتلف لعبد الله بطريقة ميعلمش بيها إلا ربنا.

نيرمين أول ما حست إن الفلوس بتقل والبريق طفى، بدأت تعمل خن،اقات يومية وتطالبه بمصاريف خيالية ومظاهر هو مابقاش قادر عليها. هو دخل في فخ الطمع، بدأ يسترخص في الخامات ويغش في التشطيبات عشان يلحق يسد الشيكات اللي على رقبته، فبدأت البضاعة ترجعله بعيوبها، والزباين يشتكوا، وسمعته في السوق بقت في الحضيض. خلال سنة واحدة بس، التجار قفلوا الحنفية ومحدش رضي يديله متر خشب واحد بالآجل، والعمال سابوا ورشه لما اتأخرت يومياتهم. اضطر يعرض أول فرع للبيع برخص التراب عشان يسدد ديونه، ونيرمين في أول لحظة ضيق رفعت عليه ق\ضية خلع وخدت اللي طالته منه وهربت.

وفي يوم كنت واقفة في الفرع الرئيسي بتاعي، لابسة أرقى ما عندي ووسط العمال والزباين والطلبيات بتتستف على العربيات، لمحته واقف على الرصيف المقابل من ورا زجاج المعرض. كان متبهدل، ضهره محني، ووشه شاحب والهم واكل ملامحه، باصص للنجاح والخير اللي ربنا كرمني بيه بعد ما كان فاكر إنه دَفني. بصيتله لثواني معدودة، من غير شماتة ولا كره، مجرد شفقة على راجل فكر إن الغدر ممكن يبني بيه بيت أو يصنع بيه اسم، ورجعت أدير ضهري للشباك وأكمل شغلي، بعد ما ربنا كتبلي الرد العملي اللي مفيش أبلغ منه.

ممرتش دقايق ولقيت باب المعرض بيتفتح وصوت الجرس بيرن. دخل بخطوات مترددة، باصص في الأرض، هدومه اللي كانت زمان من أغلى الماركات بقت مبهدلة وباهتة، ووشه شاحب وعينيه مكسورة مفيهاش أثر للغرور اللي كان بيفرده عليا زمان. العمال أول ما شافوه سكتوا وبصوا لبعض، كان في نظراتهم ألف معنى، نفس العمال اللي طردهم زمان دلوقتي واقفين بكرامتهم وبياخدوا شقاهم أول بأول. شاورت ليهم بإيدي يكملوا شغلهم، ووقفت ورا مكتبي بكل هدوء وثبات.

قرب عبد الله من المكتب، حط إيده المرتعشة على الحافة وسكت لثواني كأنه بيدور على صوت ضاع منه، وبعدها نطق بنبرة ذليلة تقطع القلب: “ازيك يا أم العيال.. ما شاء الله، ربنا يزيدك ويباركلك في رزقك ورزق ولادنا.”

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى