ما جاوبتش فورًا.
لأن في اللحظة دي كنت بدأت أخطو جوه الشقة.
أول حاجة شوفتها على الأرض كانت تمثالين صغيرين على شكل عصفورين من الخزف، واقعين عند المدخل.
أنا وأحمد كنا اشتريناهم سوا في رحلة لمدينة مشهورة بصناعة الخزف.
وقتها كان بيضحك وبيقولي
العصافير دايمًا بتيجي اتنين، وإحنا كمان هنفضل مع بعض.
مهما نروح فين، في الآخر هنرجع بيتنا سوا.
دلوقتي، واحد من العصفورين كان راسه مکسورة.
والتاني متشقق لقطع صغيرة.
عديت من جنبهم ودخلت الصالة.
المنظر كان أسوأ بكتير مما توقعت.
الكنبة الجلد كانت متقطعة من أولها لآخرها بأداة حادة.
الإسفنج الأبيض كان خارج منها ومتبعتر على الأرض.
شاشة التلفزيون مليانة شروخ.
والأباجورة الطويلة اللي فضلت وقت طويل أختارها، كانت متنية ومکسورة.
الترابيزة والكراسي واقعين فوق بعض.
الأطباق والكوبايات الزجاج كانت مالية الأرض.
أما باب البلكونة الزجاجي، فكان فيه جزء كبير متكسر، والهواء داخل من الفتحة وبيحرّك الورق المتناثر في المكان.
كملت طريقي ناحية أوضة النوم.
المرتبة كانت متقطعة.
أبواب الدولاب مفتوحة ومخلعة.
والفساتين الجديدة اللي لسه عليها التيكتات، كانت مرمية على الأرض بعد ما اتشدت واتقطعت.
تسريحة الأوضة مقلوبة.
ومستحضرات التجميل المکسورة عاملة بقع وألوان على السيراميك.
حتى اللوحة اللي صاحبتي كانت جايباهالي هدية، حد كبّ عليها مادة سودة لزجة وغطى رسمة اللوحة كلها.
مش أوضة النوم بس.
المكتب.
الأوضة الإضافية.
المطبخ.
الحمام.
مفيش مكان واحد اتساب سليم.
وقفت في نص الشقة، وفهمت أخيرًا.
سارة ما كانتش جاية تدور على حاجة.
هي جاية بهدف واحد بس.
الټدمير.
تدمّر أكبر قدر ممكن. توجعني.
وتجبرني أركع وأعتذر لها.
يا أستاذة مريم؟
صوت الظابط رجعني للواقع.
لفيت ناحيته وقلت
آسفة.
حضرتك كنت بتسأل إذا
كان فيه خلاف بيني وبين سارة، صح؟
هز راسه.
طلعت الموبايل وقلت
بس قبل ما أشرح أي حاجة، عايزة أوضح نقطة مهمة.
الشقة دي اشتريتها قبل الجواز، وعندي عقد البيع، وإيصالات الدفع، وأوراق التمويل، وعقد الملكية، وكل المستندات المطلوبة.
اسم صاحب الشقة في الأوراق هو اسمي أنا بس.
أنا ما سمحتش لسارة تدخل الشقة.
وما اديتهاش أي إذن إنها تلمس حاجة، فما بالك إنها تكسّر البيت كله.
بصيت في عينه وكملت
وعشان كده، أنا بطلب إن الموضوع يتعالج بالقانون.
والبنت دي تتحمل مسؤولية كل حاجة بوّظتها.
الظابط هز راسه وقال
تمام. هنعمل محضر بالواقعة، وهنستدعي الأطراف المعنية. حضرتك محتاجة كمان تحصري التلفيات، وبعدها هيتم تحديد قيمتها بشكل رسمي.
فاهمة.
بصيت حواليَّ.
وبدأت أحسب قيمة كل حاجة في دماغي بشكل تلقائي.
أنا شغلي تصميم داخلي، والشقة دي بالذات أنا اللي كنت متابعة تجهيزها من أول رسمة.
كل نوع خامة سعره كام.
الأثاث اللي اتعمل مخصوص بكام.
الأجهزة الكهربائية.
النجف.
تكاليف التشطيب.
مافيش حاجة من دول كنت بجهل سعرها.
الظابط الشاب اللي كان واقف جنبنا بص على الخړاب وسألني بفضول
طب تقريبًا يا أستاذة، الخساير دي ممكن تكون بكام؟
حسبتها بسرعة في دماغي.
وبعد لحظات قلت
لسه مفيش تقييم رسمي.
لكن لو بنتكلم عن الخساير المادية المباشرة بس…
وقلت الرقم.
حوالي 4 مليون و ألف جنيه.
المكان كله سكت فجأة.
حتى الناس اللي واقفة بره الباب بطلت تتهامس.
الظابط الشاب بص لي، وبعدها بص للشقة.
أربعة مليون ونص؟!
صححت له بهدوء
ده تقدير مبدئي.
الرقم النهائي لازم يتحدد بعد المعاينة والتقييم.
الظابط الأكبر سنًا تنحنح وقال
بالضبط. القيمة الدقيقة لازم يحددها متخصص.
في الوقت الحالي، صوّري كل التلفيات واحتفظي بكل الأدلة، وما تغيّريش أي حاجة في المكان.
حاضر.
فتحت كاميرا الموبايل.
بدأت بالباب.
صورة كاملة.
صورة للكالون.
صورة لكل خبطة وعلامة كسر.
وبعدها دخلت الصالة.
التلفزيون.
الكنبة.
الترابيزة.
كل قطعة لوحدها.
كنت بصوّر بدقة شديدة.
لما دخلت أوضة النوم، لقيت رسمة فستان الفرح واقعة على الأرض.
كانت متقطعة.
انحنيت شوية وبصيت لها.
لكن ما شلتهاش.
اكتفيت إني صورتها.
بعدها لقيت الشنطة اللي أحمد كان جايبهالي في عيد ميلادي السنة اللي فاتت.
كانت مدهوسة ومټشوهة.
الحقيقة إني عمري ما حبيت الشنطة دي أوي.
لكن برضه صورتها.
لأن سواء كنت بحبها أو لأ، ده قراري أنا.
وسارة مالهاش أي حق إنها تبوّظها.
حتى علاقة الفوط اللي اتخلعت من الحيطة واترمت في قاعدة الحمام، صورتها وسجلتها ضمن التلفيات.
ما سبتش حاجة.
بعد ما الظباط خلصوا المحضر الأولي، مشيوا عشان يراجعوا تسجيلات الكاميرات، وقبل ما ينزلوا أكدوا عليَّ إني أفضل متاحة لو احتاجوا أي معلومات إضافية.
مدير الكمباوند قرب مني وسألني
يا أستاذة مريم، واضح إنك مش هتعرفي تقعدي هنا الليلة. تحبي أجيب عمال ينضفوا المكان؟
رديت فورًا
لأ.
لحد ما المعاينة والتقييم يخلصوا، مش عايزة أي حاجة تتشال أو تتغير.
كل اللي محتاجاه إنك تجيبلي حد يركب باب مؤقت.
المهم الباب يتقفل ويتأمن.
قال بسرعة
حاضر، حاضر. هكلم الصنايعي حالًا.
فضلت واقفة لوحدي.
ضوء الغروب كان داخل من فتحة الزجاج المكسور، وواقع على الأثاث المدمر.
كان المشهد غريبًا.
جميل بطريقة ساخرة ومؤلمة.
دي كانت الشقة اللي تخيلت عشرات المرات شكل حياتي فيها بعد الجواز.
كنت بتخيل نفسي بصحى الصبح، بعمل القهوة في المطبخ اللي اخترت كل تفصيلة فيه، وبقعد على الكنبة الجديدة آخر اليوم بعد الشغل.
لكن دلوقتي، الفرح لسه ما اتعملش.
والبيت اتدمر على إيد أخت جوزي المستقبلي.
أنا وأحمد حبينا بعض لمدة تلات سنين.
واتخطبنا من سنة.
ظروف عيلته المادية كانت أحسن من ظروف عيلتي.
والده كان عنده تجارة في مواد البناء.
ووالدته هي اللي كانت مسؤولة عن إدارة فلوس البيت.
وأحمد كان عنده أخت واحدة أصغر منه بأربع سنين.
سارة.
البنت اللي اتربت على إن كل طلباتها لازم تتنفذ.
أما أبويا وأمي، فكانوا مدرسين في مدرسة ثانوية عادية.
عاشوا عمرهم كله على مرتبهم، وطباعهم هادية، وما بيحبوش يدخلوا في خلافات مع حد.
من أول مرة قابلت فيها والدة أحمد، حسيت إنها مش مقتنعة بيا.
كانت بتنتقد طولي.
وعينيَّ اللي مش واسعة.
وظروف عيلتي البسيطة.
وحتى طبيعة شغلي اللي بتاخد من وقتي ومجهودي.
وبحسب كلامها، الست اللي زيي ما عندهاش صفات الست اللي تعرف تستقر وتراعي بيتها.
وقتها أحمد وقف في صفي.
وقال لها
أنا بحب فيها إنها طموحة وبتسعى تحقق حاجة لنفسها.
الجملة دي لوحدها خلتني أحبه أكتر، وفضلت فاكرها فترة طويلة.
الخلافات الحقيقية بدأت لما العيلتين قعدوا يتفقوا على ترتيبات الجواز.
عيلة أحمد كانت عايزة تشتري شقة جديدة تكون بيت الزوجية.
