منوعات

نرمين عادل همام

وفي اللحظة اللي قريت فيها الاسم المكتوب في آخر المستند، حسيت إن كل حاجة حواليا سكتت. لأن الاسم ما كانش اسم يارا لوحدها. كان اسم أمي كمان. وساعتها فهمت إن اللي حصل في حوش البيت ما كانش مجرد قسوة من أم على مرات ابنها. كان فيه سر أكبر بكتير، وسر ممكن يهدّ بيتي وشغلي وحياتي كلها. والأخطر من كل ده… إن يارا، الست اللي كنت فاكر إني بحميها من أمي، ممكن تكون هي نفسها الشخص اللي حد بيحاول يلبّسه مصيبة ما يعرفش يخرج منها أبدًا.

وقتها بس، بدأت أستوعب إن اللي جاي مصيبة أكبر بكتير من اللي كنت متخيله، وإن أمي ما كانتش بتتعامل مع يارا بقسوة وخلاص، لأ، واضح إن ورا كل ده حاجة متدبّرة من زمان. الإسعاف وصل، وشالوا يارا على النقالة، وأنا كنت ماشي جنبها ومش قادر أبطل أبص على وشها الشاحب. كانت بتفتح عينيها بالعافية، وكل شوية تهمس باسمي. را بصوت ضعيف: حسام، خليك جنبي، أوعى تسيبني. مسكت إيدها وقلت لها: أنا معاكي يا حبيبتي، ومش هسيبك، اطمني.

أمي حاولت تقرب من النقالة، لكني وقفت قدامها ومنعتها. أمي بعصبية: إنت بتعمل إيه يا حسام؟ دي مراتي ابنك، وأنا جدّة بنتها، ومن حقي أطمن عليها! بصيت لها بصدمة وقلت: دلوقتي افتكرتي إنك جدّة؟ بعد اللي عملتيه فيها؟ إنتِ لو قربتي منها تاني، مش هسمح لك. ما استنتش ردها، وركبت الإسعاف مع يارا. في المستشفى، الدكتور طمّني إن حالتها بدأت تستقر، لكنه أكد إن جسمها اتعرض لإجهاد شديد، وإن حالتها بعد الولادة القيصرية كانت محتاجة رعاية وراحة، مش اللي حصل لها ده. وطلب إنها تفضل تحت الملاحظة لحد ما تستعيد قوتها.

بعد ما اتأكدت إن يارا بقت في أمان، افتكرت كلام أمي قبل ما الإسعاف يوصل. تهديدها كان واضح، وكلامها عن إن يارا هتخسر أكتر من البيت خلاني أشك إن الموضوع مش مجرد خلاف عائلي. رجعت بيتنا في شبرا، وبدأت أفتش في أوراق أمي ومكتبها. كنت بدور على أي حاجة تفسر اللي بيحصل، لحد ما لاحظت إن فيه درج في المكتب مقفول بطريقة غريبة. بعد محاولات، قدرت أفتحه، ولقيت ملف متخبي ورا الخزنة الصغيرة. أول ما بدأت أقلب في الورق، حسيت إن الأرض بتتهد من تحتي.

كان فيه أوراق بتخص البيت، ومستندات هدفها نقل ملكيته باسم أمي، وأوراق عن تجميد حسابات الشركة وتحويل الأسهم، وكأن فيه خطة كاملة لتجريدي أنا ويارا من كل حاجة بنيناها على مدار سنين. لكن الورقة اللي خلت إيدي تتجمد مكانها كانت طلب وصاية على بنتي، ومعاه تقرير طبي من مستشفى خاص بيدّعي إن يارا عندها اضطراب نفسي خطير، وإنها غير مؤهلة لرعاية طفلتها. فضلت أبص للتقرير وأنا مش مصدق. يارا اللي أعرفها كويس، واللي ضحت معايا بدهب أمها عشان نبدأ شغلنا من الصفر، كانوا بيحاولوا يصوروها على إنها أم مش طبيعية، علشان ياخدوا منها بنتها!

سمعت صوت أمي من ورايا. أمي بهدوء مستفز: واضح إنك عرفت كل حاجة. لفيت لها وأنا ماسك الملف، وقلت بغضب: إنتِ كنتِ ناوية تعملي إيه بالظبط؟ تاخدي البيت والشركة، وتحرمي يارا من بنتها كمان؟ أمي ردت ببرود: أنا بحاول أحميك من واحدة هتضيّعك، وإنت مش شايف غيرها. حسام: تحميني إزاي؟ بتقرير طبي مشكوك فيه، وأوراق لنقل ملكيتي، وطلب وصاية على بنتي؟ دي مش حماية يا أمي، دي خطة علشان تدمري حياتنا! أمي رفعت صوتها وقالت: أنا أمك، ومن حقي أخاف على مستقبلك واسم العيلة!

حسام: اسم العيلة مش هيتحافظ عليه بالظلم والتزوير. ويارا مراتي، وبنتي مسؤولية مني، ومش هسمح لحد يقرب منهم بسوء، حتى لو كان أقرب الناس ليا. أمي بصتلي باحتقار وقالت: إنت اخترت مراتك عليّ، وهتعرف قريب إنك خسرت أكتر مما تتخيل. رديت عليها وأنا بحط الملف في شنطة: أنا اخترت الحق، ولو إنتِ واثقة إنك معملتيش حاجة غلط، سيبي القانون يقول كلمته. طلعت من البيت، واتصلت بالمحامي شريف، وطلبت منه يقابلني الصبح بدري. كنت عارف إن المواجهة دي مش هتخلص بكلمتين، وإن كل ورقة في الملف لازم تتراجع كويس.

تاني يوم، قعدت أنا وشريف في مكتبي في العتبة، وبدأ يراجع المستندات واحدة واحدة. كل شوية كان وشه يتغير، لحد ما وقف عند التقرير الطبي، وفضل يقارنه بباقي الأوراق. شريف قال بجدية: يا حسام، إحنا قدامنا شبهة تزوير ومحاولة للاستيلاء على ممتلكاتك، وفيه كمان محاولة واضحة لاستخدام تقرير طبي علشان يطعنوا في أهلية يارا لرعاية بنتها. لكن لازم نثبت كل حاجة بالمستندات، ونتأكد من مصدر التقرير والتوقيعات قبل ما نتحرك رسميًا. سألته بقلق: يعني نقدر نوقف اللي بيحصل؟

شريف رد: نقدر نبدأ إجراءات عاجلة لحماية حقوقك وحقوق يارا والبنت، ونطلب فحص المستندات والتحقيق في مصدرها. بس لازم نتحرك بسرعة، لأن واضح إن فيه خطوات اتجهزت قبل ما إنت تكتشف الملف أصلًا. بصيت للأوراق قدامي، وافتكرت تهديد أمي قبل ما يارا تروح المستشفى. كان فيه سؤال واحد مش قادر أبطّل أفكر فيه: ليه أمي كانت مستعجلة بالشكل ده إنها تثبت إن يارا مش أهل لتربية بنتها؟ وإيه اللي كانت بتحاول تخبيه عني طول السنين دي؟

كنت لسه فاكر إني بدأت أفهم الحقيقة، لكن اللي اكتشفته كان مجرد أول الخيط…..يتبع للجزء الاخير مضت عيني للحظة، وسندت راسي على إيدي، وأنا حاسس إن الدنيا كلها بتلف بيا. كل اللي كنت فاكره ثابت في حياتي اتهز في أيام قليلة. بيتي اللي كنت فاكره أمان، وشغلي اللي بنيته مع مراتي من الصفر، وأمي اللي كنت طول عمري شايفها السند اللي مستحيل يخذلني… كل حاجة بقت محل شك. رفعت عيني للأستاذ شريف، وسألته بصوت مبحوح من كتر التفكير والتعب:

— تقدر توقف المهزلة دي يا متر؟ تقدر تحمي مراتي وبنتي من اللي بيحصل ده؟ شريف قفل الملف اللي قدامه، وشال نظارته، وبصلي بثبات. — نقدر نواجه اللي بيحصل، ونكشف الحقيقة، ونطالب بحقوقكم كاملة. بس لازم تتحرك بعقل، مش بغضب. أي خطوة لازم تبقى محسوبة، وكل اتهام لازم يكون وراه دليل. هزيت راسي، وأنا بحاول أستجمع نفسي. — أنا مش عايز أنتقم يا أستاذ شريف. أنا عايز مراتي تعيش من غير خوف، وبنتي تكبر في بيت آمن. وعايز أعرف ليه أمي عملت فينا كل ده.

رد بهدوء: — وده اللي هنعمله. هنراجع المستندات، ونثبت مصدر كل ورقة، ونتابع الإجراءات الرسمية. ومش هنسمح لحد يستغل خوفك أو غضبك عشان يوقعك في غلطة. خرجت من المكتب وأنا عارف إن المعركة لسه ما خلصتش، لكن لأول مرة من بداية الكابوس، بقي عندي خطة واضحة بدل ما أفضل أجري ورا كل مصيبة بتحصل. وكان أول مكان لازم أروحه هو المستشفى. لما دخلت أوضة يارا، لقيتها صاحية، قاعدة على السرير، وباصّة من الشباك بشرود. كانت بنتنا نايمة في سريرها الصغير جنبها، ويارا كل شوية تمد إيدها تتأكد إنها موجودة، وبعدين ترجع تبص من الشباك كأنها مستنية مصيبة جديدة تحصل.

أول ما شافتني، حاولت تبتسم، لكن ابتسامتها اختفت بسرعة. قربت منها وقعدت جنب السرير، ومديت إيدي مسكت إيدها بين إيديا. — عاملة إيه يا حبيبتي؟ — أحسن شوية. بصيت في عينيها، وعرفت إنها مش بتتكلم عن وجع العملية بس. كان فيه خوف جواها أكبر من أي ألم جسدي. قلت لها: — أنا عارف إنك عديتي بأيام صعبة، وعارف إن كلمة آسف مش هتصلح كل اللي حصل. بس أنا بوعدك إنك مش هتواجهي حاجة لوحدك تاني.

نزلت عينيها لإيدينا المتشابكة، وقالت بصوت واطي: — أنا مش خايفة على نفسي يا حسام. أنا خايفة على بنتنا. كل ما أغمض عيني، أفتكر إن ممكن حد ياخدها مني، أو يقول عليّا إني مش أم كويسة، وأنا والله ما عملت حاجة غير إني حاولت أحافظ على بيتي. حسيت بغصة في حلقي. — محدش هيقدر ياخدها منك لمجرد كلام أو ورق مش معروف مصدره. كل حاجة هتتم بالقانون، وأي ادعاء لازم يتراجع ويتثبت. وإنتِ مش مطالبة تثبتي إنك أم كويسة لحد بيحاول يظلمك.

رفعت عينيها ليا، والدموع بدأت تتجمع فيها. — حتى لو اللي بيظلمني أمك؟ السؤال وقفني لحظة. كنت عارف إنها مش بتسأل عن أمي بس. هي كانت بتسأل إذا كنت هفضل واقف جنبها لما الصراع يبقى بين مراتي وأمي، وإذا كنت هقدر أتحمل تبعات اختياري. مسكت إيدها أكتر وقلت: — حتى لو اللي بيظلمك أقرب الناس ليا. أنا مش هسمح لحد يعتدي عليكي أو على بنتي، ومش هخبي الحقيقة عشان خاطر أي حد. يارا سكتت شوية، وبعدها قالت:

— أمك مش هتسكت يا حسام. إنت عارفها أكتر مني. ابتسمت بحزن.

انت في الصفحة 3 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى