منوعات

كنت ببعت لامي كل شهر 50 الف جنيه

كنت بحوش جزء من الفلوس في حساب باسمي، وكنت ناوية أحطه باسمك لما ترجع. لكن لما عرفت إنك اتجوزت، فرحتلك وزعلت في نفس الوقت، لأن نفسي كنت أشوفك عريس قدام عيني، وأفرح بيك وأزغردلك. وبعدين لما قلت لي إنك جاي ومعاك مراتك وأهلها، فضلت أيام مش عارفة أنام من الفرحة. لكن قبلها بأسبوع، حصلت حاجة ما عرفتش أحكيهالك». حسيت إن إيدي اتجمدت. قريت السطر اللي بعده. «الفلوس اللي كنت بحوشها اتصرفت في حاجة ما كانش ينفع أسيبها».

رفعت عيني وقلت: ـ إيه الحاجة دي؟! نادية قالت: ـ أمك كانت رافضة تحكي لحد، حتى لينا. لكن قبل وفاتها بكام يوم، طلبت مننا نساعدها نوصل لك الحقيقة. وبعدين قامت وخرجت من المكتب، ورجعت بعد دقائق ومعاها ست في أواخر الأربعينات، وشها شاحب وعينيها مليانة دموع. أول ما شافتني، قالت: ـ إنت علي؟ هزيت راسي. قربت مني، وقعدت على الكرسي اللي قدامي، وفضلت تبصلي كأنها بتحاول تتأكد من ملامحي. ـ أنا اسمي سعاد، وكنت ساكنة في الشقة اللي جنب أمك من سنين.

قلت لها: ـ خير يا حاجة؟ مسحت دموعها وقالت: ـ أمك باعت دهبها، وصرفت من الفلوس اللي كانت محوشاها، علشان تنقذ ابني من السجن. اتسمرت مكاني. ـ إزاي؟! سعاد حطت إيديها على وشها وبدأت تعيط. ـ ابني كان شغال مع ناس في تجارة الأجهزة، وشريكه ورطه في ديون وأوراق ما كانش فاهم عواقبها. لما الشريك اختفى، ابني بقى مطلوب منه مبلغ كبير، ولو ما سدّدوش، كان هيدخل السجن. أنا ست أرملة، ما عنديش حد غيره، وروحت لأمك أستلف منها مبلغ صغير علشان أخلص له محامي.

سكتت، وبعدها كملت: ـ أمك ما اكتفتش إنها تديني اللي طلبته. لما عرفت حجم المشكلة، باعت دهبها، وسحبت جزء من الفلوس اللي كانت محوشاها، وساعدتني أسدد الدين بعد ما المحامي راجع الأوراق واتأكد من المبلغ المطلوب. كانت بتقول لي: «ابنك غلطان لو غلط، بس ما ينفعش يضيع مستقبله كله قبل ما ياخد فرصة يصلح غلطه». حسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا. الفلوس اللي كنت فاكرها بتتراكم في حساب أمي، راحت لعلاج طفل، ومصاريف دار، وأسر فقيرة، وست أرملة وابنها.

لكن ليه ما قالتليش؟ ليه خلتني أعيش سنة كاملة وأنا كارهها؟ بصيت لسعاد وسألتها: ـ طب ليه أمي ما طلبتش مني المساعدة؟ أنا كنت ممكن أبعثلها أكتر من خمسين ألف! سعاد هزت راسها وقالت: ـ كانت خايفة عليك يا ابني. كانت عارفة إنك بتتعب في شغلك، وإنك لسه بتبني حياتك في الغربة. وكانت كل ما حد يقول لها تحكي لك، ترد وتقول: «علي ابني، ومش عايزاه يشيل هموم الدنيا وهو بعيد. ربنا يكرمه ويعوضه». وبعدين بصتلي نظرة عمري ما هنساها.

ـ يوم ما إنت جيت ومعاك مراتك وأهلها، أمك كانت فرحانة من قلبها. كانت مجهزة البيت من قبلها بأيام، وغسلت الستائر بنفسها، ونضفت كل ركن، وحتى جابت مفرش جديد للسفرة من فلوس كانت محوشاها. صرخت من غير ما أقصد: ـ أمال ليه قدمتلنا العيش البايت والجبنة القديمة؟! سعاد سكتت. نادية نزلت عينها. وعبد الرحيم تنهد، وقال: ـ دي بقى الحكاية اللي أمك كانت بتخاف تعرفك بيها. حسيت إني مش قادر أتنفس.

عبد الرحيم قرب الكرسي وقال: ـ قبل زيارتك بيومين، أمك وقعت في البيت وهي بتنضف. راحت المستشفى، والدكتور طلب منها فحوصات وعلاج ومتابعة، وقال لها إنها محتاجة ترتاح، وإن فيه مصاريف لازم تتدبر. لكنها رفضت تروح لحد من جيرانها، ورفضت تكلمك، لأنها كانت عايزاك تيجي فرحان، مش شايل هم مرضها. قالت نادية: ـ كانت عندها فلوس قليلة في البيت، وكانت مستنية مبلغ من جمعية خيرية كانت بتساعدها في إدارة التبرعات، لكن المبلغ اتأخر. وفي نفس الوقت، كانت دفعت آخر اللي معاها علشان تكمل علاج يوسف.

سألت وأنا مش مصدق: ـ يعني كانت محتاجة فلوس؟ عبد الرحيم رد: ـ كانت محتاجة فلوس للعلاج، ومحتاجة حد يقف جنبها، لكن أكتر حاجة كانت محتاجاها هي ابنها. نزلت على الكرسي كأن رجلي ما بقتش شايلاني. افتكرت يوم الغداء. افتكرت وش أمي وهي بتحط الصينية قدامنا، وراسها مكسورة من الكسوف. افتكرت إنها ما كانتش بتبص في عيني. وأنا، بدل ما أسألها إذا كانت تعبانة، اتهمتها بالبخل. بدل ما أقول لها: «مالك يا أمي؟ إنتِ كويسة؟»، قلت لها إني غلطان إني جيت مصر.

مديت إيدي لوشي، وفضلت أعيط. لكن نادية لسه ما خلصتش كلامها. قالت: ـ يا علي، فيه حاجة تانية لازم تعرفها. أمك ما كانتش عايزة تديك إحساس إن الفلوس اللي بتبعتها ليها ضاعت. كانت بتكتب كل حاجة في كراسة، كل جنيه دخل وكل جنيه خرج، علشان لو سألتها في يوم تعرف تقول لك الفلوس راحت فين. قامت من مكانها، وراحت ناحية دولاب صغير في آخر المكتب، وطلعت كراسة بنية، أطرافها مهترئة. ناولتهالي. ـ دي كانت عندنا، لأنها طلبت مننا نحتفظ بيها أمانة.

فتحت الكراسة، ولقيت صفحات كاملة مكتوبة بخط أمي. كل شهر كان مكتوب فيه المبلغ اللي وصلها مني، وتحته تقسيم واضح: مصاريف البيت، علاج، تبرعات، مساعدة فلان، دواء فلانة، مصاريف طفل. وفي آخر كل صفحة، كانت كاتبة جملة صغيرة: «ربنا يبارك في رزق علي، ويجعله سبب في فرحة قلب حد محتاج». فضلت أقلب الصفحات، لحد ما وصلت لصفحة الشهر اللي نزلت فيه مصر. لقيت مكتوب: «المبلغ اللي وصل من علي: خمسين ألف جنيه. مصاريف البيت والعلاج: …

مساعدة دار الرحمة: … علاج يوسف: … مساعدة أم محمود في الإيجار: … الباقي: تجهيز زيارة علي ومراته وأهلها». وتحتها، بخط أصغر: «نفسي أعمل لهم غدا حلو يليق بيهم، بس الفلوس اللي فضلت مش مكفية، والمبلغ اللي كنت مستنياه اتأخر. هتصرف بكرة إن شاء الله». قعدت أقرأ الجملة دي مرارًا. كانت أمي عايزة تكرم ضيوفي، لكن الظروف خذلتها. وأنا خذلتها أكتر. قلبت الصفحة اللي بعدها، ولقيت سطرين مكتوبين بقلم مختلف، واضح إنهم اتكتبوا في وقت متأخر.

«علي زعل مني. يمكن كان عنده حق، ويمكن أنا ما عرفتش أوضح له. مش هعاتبه، ده ابني وحبيبي. بس نفسي أعرف هو أكل كويس بعد ما مشي؟ نفسي أتصل بيه وأقوله إني ما قصدتش أزعله، لكن خايفة يرد عليا بكلمة توجعني، فأكتفي إني أدعيله». وقعت الكراسة من إيدي. صرخت باسمها. ـ يا أمي! صرخة خرجت من أعمق مكان في قلبي، لكنها ما لقتش حد يرد عليها. فضلت أبكي وأضرب على صدري، وعبد الرحيم واقف جنبي مش عارف يعمل إيه.

بعد وقت طويل، نادية قالت: ـ أمك قبل ما تتوفى بيومين، طلبت مننا نجيب لها تليفونها. كانت عايزة تسمع صوتك، حتى لو ما رديتش عليها. رفعت راسي بسرعة. ـ تليفونها فين؟! قالت: ـ عندنا، مع حاجاتها. جابت التليفون القديم، وكان شاشته مكسورة، والغطاء بتاعه متآكل من كتر الاستخدام. مسكته بإيدي، وفتحته. لقيت سجل المكالمات مليان أرقام حاولت تتصل بيها، وأغلبها رقمي القديم. مكالمات فائتة. رسائل ما اتفتحتش. وكل مرة كانت بتحاول تتصل، كنت أنا في الناحية التانية من الدنيا، شايف اسمها، وبقفل التليفون من غير ما أسمع صوتها.

دخلت على الرسائل، ولقيت رسالة صوتية محفوظة بتاريخ قبل وفاتها بأسبوع. إيدي كانت بتترعش وأنا بدوس تشغيل. طلع صوتها ضعيف، متعب، لكنه كان صوتها اللي أعرفه من يوم ما اتولدت. «ألو يا علي… يا حبيبي، لو سمعت الرسالة دي، ابقى طمني عليك. أنا عارفة إنك زعلان مني، وعارفة إني غلطت لما ما عرفتش أكرم ضيوفك زي ما كنت أتمنى. والله يا ابني ما كان قصدي أحرجك. أنا كنت مجهزة حاجات كتير، بس حصلت ظروف، وربنا يعلم إني كنت نفسي أشوفك مبسوط.

يا علي، أنا مش عايزة منك فلوس، ولا عايزة حاجة من الدنيا. أنا عايزة أسمع صوتك بس. حتى لو هتزعق لي، حتى لو هتقول لي إني غلطانة، أنا هسمعك وأقول لك حاضر. بس ما تطولش الزعل يا ابني. العمر مش مضمون، وأنا بقيت أتعب بسرعة. ربنا يحفظك ويحفظ مراتك، ويجعل أيامكم كلها خير. بحبك يا علي… بحبك قوي». انتهت الرسالة. لكن أنا فضلت ماسك التليفون على ودني، مستنيها تكمل، مستنيها تقول أي كلمة تانية. ما كنتش قادر أصدق إن آخر مرة سمعت فيها صوت أمي كانت من تسجيل قديم، وإن آخر مرة هي سمعت فيها صوتي كانت من سنة كاملة.

أنا اللي حرمت نفسي منها. أنا اللي كنت أقدر أرفع التليفون وأسمعها في ثانية، لكن اخترت أعاقبها بالصمت. خرجت من الدار وأنا مش شايف قدامي. عبد الرحيم حاول يركبني معاه، لكني طلبت منه يوصلني لبيت أمي. لما وصلت، فتحت الباب بالمفتاح اللي كان معايا، ودخلت. البيت كان هادي بطريقة تخوف. نفس الكنبة اللي كانت قاعدة عليها وهي بتكلمني. نفس الصورة اللي فيها أبويا واقف جنبها يوم فرحهم. نفس الكوباية اللي كانت بتحط فيها الشاي. بس هي ما كانتش موجودة.

دخلت أوضتها، ولقيت سريرها متظبط، وعلى الكومود ورقة صغيرة، وتحتها مفتاح مربوط بخيط أحمر. مسكت الورقة، ولقيت مكتوب: «يا علي، لو رجعت البيت وملقتنيش، افتح الدرج اللي تحت الدولاب. فيه حاجة كنت مجهزاها لك من زمان». نزلت على ركبتي قدام الدولاب، وفتحت الدرج. كان فيه ملف كبير، ومجموعة إيصالات، ودفتر بنك، ومظروف عليه اسمي واسم مراتي. فتحت الملف الأول. كان فيه عقد شراء شقة صغيرة في مصر، في عمارة محترمة قريبة من البيت القديم، متسجلة باسم أمي، ومعاها أوراق بتوضح إنها كانت بتدفع أقساطها على مراحل.

في آخر الملف، لقيت ورقة من مكتب محاماة، مكتوب فيها إن الشقة هتنتقل ليا بعد استكمال الإجراءات القانونية. بصيت للأوراق ودموعي بتنزل. أمي كانت بتحوش علشان تفرحني. كانت عايزة لما أرجع مصر، يبقى عندي مكان أرتاح فيه، وأقدر أقضي فيه إجازاتي معاها. لكنها ما لحقتش. فتحت دفتر البنك، واكتشفت إن فيه مبلغ متبقّي في حسابها، أقل بكتير من اللي كنت متخيله، لكنه كان مبلغ كبير بالنسبة لست عايشة ببساطة طول عمرها. وكان فيه مستندات تثبت إنها تبرعت بجزء من مدخراتها لعلاج أطفال، وساعدت أسر محتاجة، وسددت ديون ناس كانت مهددة إن بيوتها تتخرب.

وفي آخر الملف، لقيت ظرف تاني. جواه خطاب بخط أمي، أطول من كل الرسائل اللي شفتها. «علي حبيبي، أنا مش عارفة إنت هتقرأ كلامي ده وإنت زعلان مني ولا بعد ما تسامحني، لكني عايزاك تعرف إني عمري ما حبيت الفلوس أكتر منك. أنا كنت بحب أشوفك ناجح، وكنت كل ما يوصلني منك مبلغ، أفرح وأحمد ربنا، وأقول إن تعبي ما راحش على الفاضي.

لكن يا ابني، لما الواحد يكبر، بيكتشف إن الفلوس مهما كانت كتير، مش هتقدر تشتري له كل حاجة. فيه حاجات ما ينفعش تتشترى، زي ضحكة طفل كان فاكر إنه مش هيلاقي علاج، أو أم كانت خايفة ابنها ينام من غير عشا، أو راجل كبير كان عاجز عن شراء الدوا لحفيده. أنا ما كنتش ملاك، يا علي، وأنا مش بقول لك إني ما غلطتش. يمكن كان لازم أقول لك كل حاجة، ويمكن كان لازم أقبل مساعدتك بدل ما أحاول أتصرف لوحدي.

بس كنت خايفة إنك تشيل هم الناس دي كلها، وكنت عايزاك تعيش حياتك وتفرح بمراتك وتنجح في شغلك. أما يوم ما جيت، فأنا عارفة إنك اتكسفت. وحقك تزعل لو كنت قصرت مع ضيوفك. لكن والله يا ابني، لو كنت أعرف إنك هتمشي وتسيبني سنة كاملة من غير ما أسمع صوتك، كنت رميت كل حاجة من إيدي، وقعدت جنبك، حتى لو ما كانش عندي غير كوباية شاي ولقمة عيش. كنت هقول لك اقعد يا ابني، إنت وحشتني.

كنت هحكيلك إني بقيت بتعب، وإني ساعات بخاف أنام وما أصحاش، وإن البيت بقى واسع عليا من غيرك. لكن خلاص، اللي حصل حصل، وربنا وحده يعلم إني سامحتك قبل ما تسألني السماح. ولو فيه حاجة واحدة عايزاك تعملها بعدي، فهي إنك ما تحكمش على حد من لقمة أكل، ولا من هدوم قديمة، ولا من موقف واحد. اسأل، وافهم، وارحم. وإوعى يا علي تفتكر إنك لما تساعد حد، تبقى خسرت فلوسك. يمكن تكون خسرت مبلغ، لكنك كسبت دعوة من قلب مكسور.

وأهم حاجة، يا حبيبي، ما تعيشش عمرك ندمان. أنا أمك، وكنت بحبك، وهفضل أحبك طول ما فيه دعوة طالعة من قلبي ليك. ربنا يرضى عنك، ويرزقك الذرية الصالحة، ويجعل بيتك مليان رحمة. أمك اللي بتحبك، روحية». ما قدرتش أكمل. ضميت الورقة لصدري، وفضلت أعيط لحد ما صوتي راح. كنت أتمنى لو أقدر أرجع يوم واحد بس، حتى لو دقيقة، وأقعد قدامها وأقول لها إني آسف. لكن الزمن ما بيرجعش، واللي بيروح من الدنيا ما بيرجعش مهما كانت فلوسنا أو مكانتنا.

في اليوم التاني، روحت للمحامي اللي كان متابع أوراق أمي، وطلبت منه أعرف كل حاجة تخص حساباتها ومساعداتها. قعدنا ساعات طويلة نراجع الأوراق، واكتشفت إن أمي كانت منظمة كل شيء بدقة شديدة. كانت بتسجل أسماء الأسر اللي بتساعدها، ومواعيد العلاج، والمبالغ اللي بتصرفها، وحتى أرقام الناس اللي كانت بتسأل عليهم. وكان فيه ملف منفصل بعنوان: «أطفال محتاجين علاج». في الملف ده، لقيت اسم يوسف، حفيد عبد الرحيم، ومعاه أسماء أطفال تانيين، بعضهم اتعالج بالفعل، وبعضهم لسه محتاج مساعدة.

المحامي قال لي: ـ والدتك كانت بتطلب مني أراجع بعض الأوراق من وقت للتاني، وكانت دايمًا تؤكد إن المساعدة تكون موثقة، علشان الفلوس توصل لمستحقيها.

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى