* “الأصول أصول يا إبراهيم.. والجدعنة مش بالفلوس، الجدعنة بالنفس الطيبة. أخوك الكبير سندك، ولو اتسبس في محنته دي هيتحبس، وبيته هيتخرب، وعياله هينشردوا في الشارع. وأنا ولادي مش هيقبلوا يأكلوا وأولاد عمهم مش لاقيين اللقمة أو أبوهم مقهور في السجــ,,ـــــن. خذ الدهب ده، انزل بيهم الصبح بدري بعهم، وادفع مقدم الكمبيالات وأنقذ أخوك من السجــ,,ـــــن.” إبراهيم حــ,,ـــــضن رأسي وباسها والدموع نازلة من عينيه زي المطر، وقال بصوت مكسور ومحفور بالامتنان: * “ربنا يبارك لي فيكي يا أصيلة.. أنتِ مش بس مراتي، أنتِ ستر البيت وسنده وشرفه.”
ثاني يوم الصبح بدري، نزل إبراهيم ونيشان الدهب، وباع جزء منه بمبلغ كبير، وراح مع أخوه أبو وليد للشركاء والمحامين. دفعوا المقدم، وجدولوا باقي الديون، وفكوا الشمع عن المحلات، وأبو وليد نجا من السجــ,,ـــــن في آخر لحظة! رجعت العيلة للشقة فوق، بس كل حاجة اتغيرت. أبو وليد رجع محله وهو عارف إن أخوه الصغير ومراته الفقيرة هما اللي صانوا عرضه وحموه من السجــ,,ـــــن والفضاحة. سلفتي نزلت عندي بعد الضهر.. كانت ماشية ببطء، راسها في الأرض، وشها مكسور ومش قادرة ترفع عينها في عيني. دخلت وقعدت على الكرسي وبدأت تبكي بدموع حقيقية المرة دي، مسكت إيدي وبستها وقالت بصوت مخنوق:
* “سامحيني يا أم سيف.. أنا كنت عمياء بالغل والتكبر، كنت بظلــ,,ـــــمك وبأكل أكل عيالك وأتأمر عليكي، وفي الآخر أنتِ اللي ضحيتي بدهبك اللي شايلاه لزمنك عشان تنقذي جوزي وعيالي من الشارع.. أنا ما أستاهلش جيرتك ولا أستاهل طيبة قلبك.” بصيت لها وقلت لها بكل هدوء وكرامة:
* “أنا ما عملتش كده عشانك يا أم وليد.. أنا عملت كده عشان إبراهيم جوزي ما يشوفش أخوه مكسور، وعشان ربنا يعلم ولادي إن العين بصيره واليد قصيرة بس النفس عفيفة، وأن الفقر مش فقر القرش.. الفقر فقر النفوس. كل اللي أتمناه إنك تكوني تعلمتي الدرس، وعرفتِ إن اللقمة اللي بنأكلها بالرضا والحلال أطعم ألف مرة من المال الحرام والافتراء.” حماتي دخلت وراها وقعدت تبكي وتدعيلنا، وقالت: “ربنا يخلف عليكِ يا مرات ابني، ويعوضك بكل قرش بركة وصحة ورزق ما يتقطعش أبداً.”
ومن اليوم ده، ربنا فتحها على إبراهيم فتح غير عادي.. الشغل في الورشة زاد، والرزق بقى يهل علينا من كل ناحية، وأبو وليد بقى يعتبر إبراهيم شريكه الأساسي في كل حاجة ويقسم معاه اللقمة بالحلال والعدل. وعشنا في بيتنا الهادي، مرتاحين البال، بيتنا مقفول علينا، أكلنا فول أو أكلنا لحمة.. ننام وشنا للر حمن وضميرنا مرتاح، وعيالنا بيكبروا قدام عينيا وهم عارفين إن أمهاتهم صانت كرامتهم وعلمتهم إن الحق والأصل هما اللي بيعيشوا في الآخر.
