“رد.” قال: “لأني غلطت.” “الغلط ده وصل لبنتي.” “عارف.” “كنت بتراقبها؟” “في الأول آه.” “كنت بتدور في حاجتها؟” “أيوه.” منة قالت وهي بتبكي: “عشان كده كنت بتسألني عن ماما وعن الورق.” محمد نزل عينه.”أيوه.” أنا قربت منه. “وبعدين؟” رفع عينه.”وبعدين حبيتها بجد.” منة قالت: “بس ده ما يمسحش اللي عملته.” “عارف.” “ولا يمسح إنك خبيت عليا.” “عارف.” “ولا إنك خليتني أعيش في بيت مليان أسرار.” محمد ما ردش.فؤاد قال: “بس في حاجة أهم.” بصينا له.قال: “محمد مش الشخص اللي قـ,ـتل جوز سناء. ” قلت: “أنا عارفة.” فؤاد بص لي باستغراب.قلت:
“بس أنا عايزة أعرف حاجة.” “إيه؟” “إنت ليه رجعت دلوقتي؟” فؤاد سكت.وبعدين قال: “لأن أم محمد هربت.” محمد قال: “إنت عارف مكانها؟” “أيوه.” “فين؟” “راحت المكان اللي كانت مخبية فيه كل الأوراق. ” نوال قالت: “المخزن القديم.” فؤاد بص لها.”إنتي عارفة؟” قالت: “كنت بروح هناك.” أنا قلت: “طب ليه ما نروحش دلوقتي؟” فؤاد قال: “عشان قبل ما نروح لازم نفهم آخر جزء.” “إيه؟” “مين ساعد أم محمد في تزوير الورق.” بصيت له.”مش هي لوحدها؟” هز راسه.”لأ.” “مين؟ ” فؤاد قال: “سامح.” سكتنا.قلت:
“بس أم محمد قالت إنه مش الشخص اللي معاها العقد.” “صح.” “يعني سامح كان جزء من الموضوع؟” “أيوه.” “وكان بيزوّر الورق؟” “كان بيجهز الورق القانوني بعد التزوير.” نوال قالت: “وعشان كده كان دايمًا سابقنا بخطوة.” أنا افتكرت كل مرة سامح كان بيظهر فيها. كل مرة كان يقول لي: “سيبي الموضوع عليا.” كل مرة كان يطمني.وكل مرة كان بيطلب مني إمضا.حسيت بالغضب.”أنا كنت بثق فيه.” فؤاد قال: “وده كان سـ,ـلاحه.” في اللحظة دي تليفون محمد رن.بص للشاشة. “أمي.” الكل سكت.رد.”ألو؟” ما جاش رد.بس سمعنا صوتها.كانت بتبكي.”محمد…” “إنتي فين؟” “أنا غلطت.” محمد قال: “تعالي وسلمي نفسك.” قالت:
“مش هقدر.” “ليه؟” “لأن في حد تاني لازم تعرفوا حقيقته.” أنا قربت من التليفون.قلت: “مين؟” سكتت.وبعدين قالت: “أبوكي يا منة.” منة اتجمدت.قلت: “أبو منة مـ,ـات من سنين.” قالت: “أنا ما أقصدش أبوها.” “أمال مين؟” قالت: “جوز سناء.” أنا فهمت إنها بتتكلم عن جوزي.قالت: “هو قبل ما يمـ,ـوت كان مخبي الحقيقة عنكم.” قلت: “أي حقيقة؟” قالت: “إن الأرض أصلًا ما كانتش ملكه لوحده. ” فؤاد قال: “كملي.” قالت: “كان فيه شريك تالت.” نوال شهقت.”مين؟” سكتت.ثم قالت: “سامح.” أنا حسيت إني مش قادرة أتنفس.سامح؟يعني سامح ما كانش مجرد محامي.كان شريكًا.أم محمد قالت: “سامح كان بيحاول ياخد الأرض لنفسه.” فؤاد قال:
“وعشان كده العقد كان خطر عليه. ” قلت: “طب مين اللي قـ,ـتل جوزي؟” قالت: “أنا.” الصمت نزل علينا.قالت: “بس أنا ما كنتش لوحدي.” قلت: “مين كان معاكي؟” قالت: “سامح.” فؤاد ضـ,ـرب كف بإيده.”كنت عارف.” محمد قال: “يعني سامح كان موجود؟” قالت: “أيوه.” “وأبويا؟” “أبوك خرج قبل ما سامح يدخل. ” “طب ليه سامح ما قـ,ـتلوش؟” قالت: “لأنه كان محتاجه حي.” قلت: “ليه؟” قالت: “عشان يعرف مكان العقد.” فؤاد قال: “وبعدين؟” قالت: “جوز سناء رفض.” “وسامح قال لي سيبيه.” “لكن لما وقع…” سكتت.قلت: “كملي.” قالت: “سامح قال لي سيبيه يمـ,ـوت.” الدموع نزلت من عيني.قالت: “وأنا سبتّه. ” ثم أضافت:
“أنا مش هطلب منكم تسامحوني.” “بس قبل ما تسألوا عن العقد… اسألوا عن الدفتر.” فؤاد قال: “أي دفتر؟” قالت: “الدفتر اللي جوز سناء كان كاتب فيه كل حاجة.” قلت: “فين؟” ردت: “في المكان اللي بدأ منه كل شيء.” ثم أغلقت الخط.بصينا لبعض.نوال قالت: “بيت جوز سناء القديم.” قلت: “بس البيت اتباع.” فؤاد قال: “لأ.” “يعني إيه؟” قال: “البيت ما اتباعش.” محمد قال: “إحنا كنا فاكرين إنه اتباع.” فؤاد هز راسه.”دي كانت الورقة المزورة.” خرجنا كلنا.وصلنا البيت القديم قبل الفجر.
كان مهجور.الباب متهالك.دخلت وأنا حاسة إني بدخل حياتي القديمة.كل ركن كان فيه ذكرى.مكان السفرة.الكرسي اللي كان جوزي بيقعد عليه.الشباك اللي كنت بقف عنده.وفجأة فؤاد وقف.قال: “هنا.” “فين؟” أشار للأرض تحت السلم.”جوزك كان بيخبي حاجاته هنا. ” بدأنا ندور.وبعد دقائق لقينا بلاطة مختلفة.رفعها فؤاد.كان تحتها صندوق صغير.فتحناه.كان جواه دفتر.أنا مسكته.إيدي كانت بتترعش.فتحت أول صفحة.كان خط جوزي.وكان مكتوب: “لو وصلت الورق ده لمراتي، يبقى أنا ما قدرتش أقول لها الحقيقة.” وقفت.منة قربت مني.كملت القراءة. “الأرض مش أهم حاجة.” قلبي دق.”الأهم إن الشخص اللي خانني مش غريب.” قلبت الصفحة.”هو شخص سناء تثق فيه.” وقفت.في الصفحة التالية كان مكتوب اسم واحد.سامح.لكن تحته جملة:
“سامح مش وحده.” قلبت الصفحة بسرعة.وكانت الأسماء كلها موجودة.أبو محمد.أم محمد.سامح.وبعدين اسم رابع. أنا أول ما شفته…ما قدرتش أتنفس.لأن الاسم الرابع كان: فؤاد.بصيت له.هو ما اتحركش.قلت: “إنت كنت معاهم؟” فؤاد سكت.نوال قالت: “قول الحقيقة.” فؤاد بص لي.وقال: “أيوه.” محمد رجع خطوة.”عمي؟ ” فؤاد قال: “أنا كنت جزء من الخطة.” أنا حسيت الدنيا بتلف بيا.قال: “لكن في حاجة جوزك ما كتبهاش هنا.” “إيه؟” قال: “أنا دخلت الخطة عشان أراقبهم.” “يعني إنت مش خائن؟” “لأ.” “طب ليه اسمك هنا؟” “لأن جوزك كان شاكك فيا.” قلت: “وشكه كان في محله؟ ” قال: “أيوه.” سكت.”لأني خبيت عنه الحقيقة.” “أي حقيقة؟” قال:
“إني كنت عارف إن أخويا بيزور الورق.” “وسكت.” “أيوه.” بصيت للدفتر.في آخر صفحة كان فيه سطر واحد.”الشخص اللي أثق فيه أكتر من أي حد… هو سناء نفسها.” دموعي نزلت.لكن تحت السطر كان فيه كلام تاني: “ولو حصل لي حاجة، ما تخليش حد يقنعك إنك ضعيفة.” قفلت الدفتر.ولأول مرة من يوم وفـ,ـاة جوزي حسيت إن الحقيقة مش بتكسرني.الحقيقة كانت بتخليني أقف.بعدها بأيام، اتقدم بلاغ رسمي بكل الأوراق.اتثبت تزوير التوقيع.واتفتح التحقيق في وفـ,ـاة جوزي بعد ظهور الأدلة والشهادات.
سامح اختفى يومين، لكن تم الوصول له بعد تتبع معاملاته وأوراق الأرض.أم محمد سلمت نفسها بعد ما عرفت إن الدفتر خرج للنور.واعترفت بكل اللي تعرفه.أما فؤاد، فقدم شهادته كاملة.أما محمد…فكان أصعب واحد في الحكاية. لأنه خسر أمه.وخسر ثقة منة.لكن منة ما طلبتش الطلاق فورًا.قالت له: “أنا محتاجة وقت.” وهو وافق.من غير ضغط.من غير تهديد.من غير كلام عن الحب.لأن الحب لوحده ما يكفيش لما الثقة تتكسر. أما الأرض، فبعد شهور من التحقيقات، اتثبت إن عقدي الأصلي سليم، وإن التنازل المزور لا قيمة له.رجعت حقوقي.لكن أغلى حاجة رجعت لي ما كانتش الأرض.كانت راحتي.وفي يوم وقفت قدام قبر جوزي.حطيت الدفتر جنبي.وقلت:
“أنا عرفت يا حبيبي.” سكت شوية.”عرفت مين خانك.” مسحت دموعي. “وعرفت كمان إنك كنت خايف عليا.” وبعدين ابتسمت.”بس كنت غلطان في حاجة واحدة.” بصيت للقبر.”أنا ما كنتش ضعيفة.” رجعت البيت.لقيت منة مستنياني.مسكت إيدي.وقالت: “ماما.” “نعم؟” قالت: “أنا فهمت ليه بابا كتبلك الكلام ده.” بصيت لها. “ليه؟” قالت: “عشان كان عارف إنك حتى لو الدنيا كلها وقعت حواليكي… هتعرفي تقفي تاني.” ح.ضنتها.وفي اللحظة دي عرفت إن كل اللي حصل، مهما كان قاسي، كان لازم ينتهي.مش لأن كل الناس اتغيرت.لكن لأن أنا اتغيرت.بقيت أعرف إن الثقة مش معناها إني أغمض عيني.
وإن الطيبة مش معناها إني أسمح لحد يستغلني.وإن الحقيقة مهما اتأخرت…بتوصل في الآخر.وبعد شهور، وأنا برتب حاجات جوزي القديمة، لقيت ظرف صغير مدسوس جوه الدفتر.فتحته.كان فيه صورة ليا أنا وهو في أول سنة جواز. وتحت الصورة مكتوب بخط إيده: “لو يوم من الأيام شكيتِ في نفسك، افتكري إن أكتر حاجة حبيتها فيكي إنك عمرك ما سيبتي الظلم يكسب.” فضلت باصة للكلام.وضميّت الصورة لصدري.وساعتها بس…قفلت الدفتر.لأن الحكاية انتهت. مش بمـ,ـوت حد.ولا بانتقام.ولا برجوع الزمن.انتهت بالحقيقة.والحقيقة كانت كفاية.ومن يومها، كل ما حد يسألني إيه أصعب حاجة حصلت في حياتك؟بقول له: “أصعب حاجة ما كانتش إني اكتشفت إن ناس وثقت فيهم خانوني.” وأبتسم.
“أصعب حاجة كانت إني اكتشفت إنني كنت أقوى من كل اللي حصل لي.” وده كان آخر سر في حكاية جوزي…السر اللي فضل سنين مستخبي ورا باب بيتي.الباب اللي أنا نفسي فتحته في ليلة مـ,ـوته.لكن المرة دي…أنا اللي قفلته بإيدي.وقلت: “خلاص.” “كفاية لحد هنا.”