تتدلع إيه يا شاهندة، استني بس! محمود قالها بقلة حيلة وهو حاطط سليم على كتفه طب هعمل إيه في العيال؟ الباص زمانه مشي من نص ساعة! اتصرف! ودهم
بعربيتك، واطلب أوبر لسليم يوديه لحماتي، أو خد إجازة، اتصرف يا محمود، أنا مش هقعد دقيقة زيادة!
رزعت شاهندة باب الشقة ونزلت تجري على السلالم عشان الأسانسير كان عطلان كالعادة.
محمود وقف وسط الصالة، العيل الصغير پيصرخ في ودنه وريحة البامبرز فاحت، وبنته الصغيرة بتمسك في بنطلونه وبتعيط بابا بطني بتوجعني وعايزة ساندوتش جبنة رومي، والولد الكبير بيقوله المستر هيسقطني يا بابا عشان البروجكت. في اللحظة دي بس، محمود حس إن السقف بيقرب من الأرض. حاول يفتكر هو فين مكان البامبرز مقاس أربعة؟ هو الرز بلبن اللي في التلاجة ده بايت من إمتى؟
هي لانش بوكسات العيال بتتغسل وتتحط فين؟
كل التفاصيل دي كانت بتتعمل لوحدها. كأن البيت كان فيه عفريت سحري اسمه ماما، بيصحى قبل الكل، يمسح، يكنس، يغير، يسند، يلبس، يجهز الساندوتشات، يقفل السوست، ويبتسم في وشهم لما يصحوا كأن الموضوع مفيش أسهل منه.
طلع تليفونه من جيبه، رن على تهاني للمرة الخامسة. الجرس فضل يضـ,ـرب.. يضـ,ـرب.. لحد ما الصوت الآلي قاله عفوًا، الهاتف الذي طلبته لا يمكن الرد عليه الآن.
وبعدين بقى في الليلة دي! رزع
محمود الموبايل على الأنتريه وشال سليم ودخل يغيرله، فخرجت منه صړخة تانية لما اكتشف إن كيس المناديل المبللة خلصان، وإنه مش عارف أصلاً يقلع الواد البنطلون من غير ما يبهدل الدنيا.
في مصر الجديدة، الساعة كانت بقت حداشر الضهر.
تهاني كانت لابسة عبايتها الكريب الكحلي المطرزة تطريز هادي على الصدر، لافة الطرحة الشيفون الرمادي، ونازلة درجات السلم بخطوات ثابتة ومريحة. رجلها اليمين اللي كانت دايمًا بتوجعها من كتر الوقفة قدام البوتاجاز كانت لسه منملة شوية، بس روحها كانت خفيفة بشكل ما حسيتش بيه من يوم ما جوزها الله يرحمه اتوفى.
خرجت من باب العمارة، عم رجب البواب بصلها باستغراب ورفع إيده بالتحية صباح الفل يا ست تهاني! خير يا رب؟ مش عوايدك تنزلي في الميعاد ده، ده أنا كنت فاكرك في التجمع من بدري! ابتسمت تهاني ابتسامة هادية صباح النور يا عم رجب. لأ، النهاردة إجازة. رايحة مشوار صغير كده. ربنا يديكي الصحة يا ست الكل ويخليكي للعيال، والله بركة العمارة.
مشيت تهاني في شارع هارون، الشمس كانت دافية وجميلة. أول حاجة عملتها، دخلت صيدلية الدكتور هشام. الدكتور
أول ما شافهارحب بيها يا مرحب بالحاجة تهاني! فينك يا راجل طيب؟ بقالك شهرين ما جيتيش تقيسي الضغط والسكر؟ أعمل إيه يا دكتور، مشاغل الدنيا. قعدت على الكرسي، ولف الجهاز على دراعها. المؤشر طلع ونزل، الدكتور هز راسه وقال الضغط عالي حبتين يا حاجة، 150 على 95. وإنتِ مهملة في الدوا كالعادة، صح؟ والله يا دكتور بنسى.. اليوم بيبقى زحمة وما بلحقش افتكر أخدت الحباية ولا لأ. لا كده مينفعش، إنتِ مش صغيرة، وصحتك دي أمانة عندك. بطلي شيل الهم شوية وارتاحي.
طلعت من الصيدلية، وراحت على محل الأقمشة بتاع الحاج ناصر اللي جنب محطة المترو.
تهاني زمان، أيام شبابها، كانت خياطة شاطرة جدًا، كانت بتفصل فساتينها بنفسها وتعمل مفارش كروشيه تهبل. دخلت المحل، قعدت تقلب بين أثواب القماش؛ لمست خامة الكتان، وشمّت ريحة القطن الصافي، واشترت تلاتة متر قماش مشجر ناعم عشان تعمل بيهم ستارة للمطبخ كانت مأجلاها من سنتين، ومعاهم شوية خيوط كروشيه ملونة.
وهي خارجة، شافت كافيه صغير على الناصية، طرابيزات خشب صغيرة برة تحت مظلة قماش. قعدت، طلبت شاي بنعناع وكوباية ماية مثلجة. طلعت موبايلها
من الشنطة عشان تشوف الساعة كام.
الشاشة أول ما نورت كانت عامية من كتر النوتيفيكيشنز 34 مكالمة فائتة من محمود. 18 مكالمة فائتة من شاهندة. 3 مكالمات من رقم غريب. رسائل واتساب 42 رسالة.
فتحت الواتساب ببرود، وقعدت تقرا وهي بترشف من الشاي بالنعناع محمود يا ماما إنتِ فين؟ طمنيني عليكي، حد جراله حاجة عندك؟ محمود بعدها بنص ساعة ماما ردي الله يخليكي! الشقة مقلوبة، وأنا اتأخرت على الشغل والعيال غابوا من المدرسة وسليم عمال يعيط ومش لاقيين البامبرز بتاعه! شاهندة طنط! لو سمحتي ردي على الموبايل، الحركة دي مش لطيفة خالص وإحنا عندنا شغل والتزامات!
لو تعبانة كنتي عرفينا من امبارح عشان نتدبر أمرنا! محمود يا أمي ردي، أنا هتجنن! لو فيكي حاجة قوليلي أجيلك!
تهاني قفلت شات شاهندة من غير ما ترد بكلمة واحدة. ولا نقطة حتى. فتحت شات محمود، وكتبت ببطء وصوابعها ثابتة أنا كويسة يا محمود. مفيش فيا حاجة. بس زي ما مراتك قالت قدام صحابها، أنا ست كبيرة على المعاش، قاعدة في البيت ما ورايش شغلة ولا مشغلة ولا بعمل حاجة مهمة. فقررت أقعد في بيتي أعمل اللي على قدي.
شوفوا حد بيشتغل بجد يساعدكم.
وداست إرسال.
العلامتين الزرق ظهروا في نفس الثانية. محمود كان ماسك الموبايل كأنه مستني رسالة من ملك المۏت. تليفونها رن على طول محمود يتصل بك…. تهاني حطت الموبايل على وضع صامت، وقلبته على ضهره على الترابيزة، وشاورت للويتر يجيبلها شوية مكسرات تسالي.
في التجمع، الرسالة نزلت على دماغ محمود زي جردل ماية ڼار.
كان قاعد في الصالة مهدود، لابس التيشيرت مقلوب من اللخمة، جنبه فريدة بتاكل كورن فليكس ناشف من العلبة بإيدها ومبهدلة السجادة، وسليم نام أخيرًا على الكنبة بعد ما عيط لحد ما شرخ صوته، وهو مش مغيرله، بس لافف فوطة مطبخ حوالين وسطه مؤقتًا.
محمود قرا الرسالة مرة، واتنين، وتلاتة. زي ما مراتك قالت قدام صحابها… الكلمات رنت في ودنه كأن حد ضـ,ـربه قلم على غفلة.
رجع بذاكرته لعزومة يوم الجمعة، والضحك، والسفرة اللي كانت مليانة بط ومحاشي وصواني مكرونة بالبشاميل تكفي كتيبة، والست اللي كانت رايحة جاية بالصواني ومبتسمة وهي شايلة سليم على كتفها وضهرها محڼي، ولما شاهندة قالت الجملة دي هي أصلًا ما بتشتغلش، يا دوب بتسلّي
وقتهاوتساعدنا مع العيال.
ساعتها محمود ما فكرش، ولا علق، ولا حتى حط في باله إن الكلمة دي تكسر. اعتبرها هزار، أو توصيف عادي لست قاعدة في البيت. ما جاش في باله إن الست دي كانت بتنزل في عز البرد، وفي عز الحر، وبتسيب بيتها نضيف عشان تيجي ترتب بيته هو، وتطبخ أكل هو بيحبه، وتغسل هدومه وهدوم عياله، ومن غير مليم، ولا حتى كلمة شكرا في آخر اليوم.
باب الشقة اتفتح فجأة ودخلت شاهندة. كانت راجعة الساعة اتنين الضهر، وشها أسود من الغيظ، رمت شنطة اللاب توب على الأرض بكل عزمها يوم مهبب! يوم أسود من أوله!
رحت الشركة لقيتهم أجلوا الميتنج عشان مديري سافر فرع زايد، وضيعت اليوم على الفاضي! بصت حواليها في الشقة، لقت الپهدلة، وفريدة اللي شعرها منكوش وبتلعب في الكورن فليكس، ومحمود اللي قاعد مبرق للموبايل. إيه القرف ده يا محمود؟! الشقة ريحتها مقرفة ليه كده؟ وإنت لسه قاعد بتيابك؟! وفين أمك، لسه ما نطقتش؟!
محمود رفع عينه فيها، عينه كانت حمرا من التعب والضغط أمي مش جاية يا شاهندة. يعني إيه مش جاية؟! هي الشغلانة بمزاجها ولا إيه؟ هو إحنا لعبة في إيدها تسيبنا
في نص الأسبوع وإحنا مرتبطين؟! شاهندة! زعق محمود لأول مرة من سنين بصوت خلى فريدة تتخض وتجري على الأوضة احترمي نفسك وانتي بتتكلمي عن أمي! الشغلانة بمزاجها؟ هي أمي شغالة عندك باليومية وإحنا مش عارفين؟!
شاهندة اتراجعت خطوة لورا، مستغربة النبرة الحادة جرى إيه يا محمود؟ مالك بتزعق كده ليه؟ ما ده الواقع، هي اللي عودتنا إنها بتيجي، مش ذنبي إنها قررت تقمط وتلوي بوزها فجأة! محمود قام وقف، ومد إيده بالموبايل في وشها اقري! اقري الهانم كتبت إيه، وشوفي كلامك اللزج ولسانك الطويل قدام صحابك عمل فينا إيه!
شاهندة خدت الموبايل، عينيها اتحركت بسرعة على السطور.
لون وشها اتغير من الڠضب للاحتقان وده وقته بقى؟ يعني الست زعلانة عشان كلمتين اتقالوا في قعدة هزار؟! هو أنا شټمتها؟ هو أنا قولت حاجة غلط؟ ما هي فعلًا ما بتشتغلش برة، هي مهندسة ولا دكتورة عشان أقول بتشتغل؟ أنا قولت بتساعدنا، وده اعتراف بجميلها!
جميلها؟! محمود ضحك پهستيريا وهو بيشاور على الأركان ده جميلها اللي في السقف وفي الأرض وفي هدوم عيالك! إنتِ شفتي يوم واحد من غيرها عمل فينا إيه؟
شفتي العيال شكلهم إيه؟ شفتي المصېبة اللي إحنا فيها؟ أمي كانت بتشيل البيت ده كله على كتافها، وإنتِ بكل بجاحة رايحة تقولي قدام صحابك التنابلة إنها فاضية وما وراهاش حاجة!
شاهندة حطت إيدها في وسطها، كبرياؤها منعها تعترف بالغلط خلاص يا سيدي، كبرت الموضوع ليه؟ خلاص، نعتذرلها! هكلمها أقولها معلش يا طنط مكناش نقصد، وحقك عليا، والموضوع يخلص وترجع بكرة الصبح!
طلعت موبايلها ورنت على تهاني. الخط رن.. رن.. ورن.. ومحدش رد. جربت تاني، الموبايل اتقفل خالص؛ إدّاها مغلق أو غير متاح.
شاهندة اتنفست بنفاد صبر قفلت تليفونها! شايفة نفسها زيادة عن اللزوم!
طب تمام، خليها، بكرة تزهق وترجع، هتروح فين يعني؟ هي ليها مين غيرنا وغير العيال؟ بكرة تتصل وتقول وحشتوني وهجيلكم.
لكن بكرة جه، وبعده جه، والجمعة جت.. وتهاني ما اتصلتش، ولا سألت، ولا حتى فكرت تفتح الشات.
خلال أربع أيام بس، تحولت حياة محمود وشاهندة لكابوس حقيقي.
يوم الأربع، حاولوا يعتمدوا على نفسهم. شاهندة اتفقت مع مكتب شغالات بالتليفون عشان يجيبوا واحدة يومية. جاتلهم واحدة اسمها أم عبير، الساعة
بعشرين جنيه، طلبت فطار الأول، قعدت ساعة تفطر وتشرب شاي بلبن، وبعدين بدأت تروق الصالة، دخلت المطبخ كـ,ـسرت طقم كوبايات كريستال من بتوع الجواز، وسابت الغسيل مبلول في الغسالة لحد ما ريحته كمكمت، والساعة اتنين الضهر قالت أنا وقتي خلص يا مدام، الحساب 400 جنيه غير التاكسي، ومشت وسابت المطبخ يضـ,ـرب يقلب.
يوم الخميس، محمود اضطر يغيب من اجتماع مهم لمشروع في العاصمة الإدارية عشان يروح يجيب إياد من المدرسة بعد ما المدرسة اتصلت بيهم وقالت إن الولد سخن ومحدش جه خده.
قعد في العيادة بالساعات عشان يكشف عليه، وفي سكة الرجوع اضطر يشتري أكل دليفري من برة، كلفه 600 جنيه في وجبة واحدة كلها زيوت، وشاهندة معدتها تعبت منها وقضت الليل كله في الحمام.
يوم الجمعة، البيت كان غرقان في الژبالة. الباسكتات مليانة، المواعين واصلة لحد الحنفية، الغسيل جبال في كل أوضة، والعيال هلكانين، بيتخانقوا على أتفه سبب، وسليم طول الوقت بيمد إيده ناحية الباب الخارجي ويقول تاتا.. تاتا، مستني الست اللي كانت بتقعده على حجرها تغنيله ذهب الليل وتحكيله حواديت لحد ما ينام وهو شبعان ونضيف.
محمود كان قاعد على الكنبة يوم
السبت الصبح، باصص للحيطة كأنه عيان. بص لشاهندة اللي كانت قاعدة قدام اللاب توب بتحاول تخلص شغل، بس شعرها مبهدل وتحت عينيها سواد شاهندة، إحنا مش نافعين من غيرها.
شاهندة ما رفعتش عينها من على الشاشة، بس صوتها كان مخڼوق قصدك إيه؟ قصدي إننا كنا بنستغلها بأبشع طريقة ممكنة، ومكناش بنحس بده إلا لما شيلنا نص اللي كانت بتشيله لوحدها. أمي بقالها تلات سنين بتهلك نفسها عشان راحتنا، وإحنا ولا حتى كنا بنقولها كلمة طيبة، وكل ما تجيب سيرة خروج ولا زيارة نقفلها في وشها ونقولها العيال أهم. طب وأنا قولت إيه يعني؟ أنا جاهزة أعتذر!
الاعتذار مش في التليفون يا شاهندة. أمي كرامتها وجعتها، وكرامة الست اللي زي أمي لما بتتهان، مفيش حاجة بترجعها بسهولة. إنتِ هتروحي معايا، برجلك، لحد شقتها، وهتعتذريلها قدامي.
شاهندة بلعت ريقها بصعوبة. كبريائها كان بيصـ,ـارع جوة نفسها، بس التعب والإرهاق وقلة النوم والخۏف من إن حياتهم ټنهار أكتر من كده خلاها تهز راسها بالراحة ماشي يا محمود. بس بلاش النهاردة عشان مهدودة.. بكرة الحد الصبح.
يوم الأحد الصبح، الساعة كانت حداشر.
تهاني كانت قاعدة في شقتها، فارشة
السجادة الصغيرة في الصالة، وحاطة ماكينة الخياطة السنجر القديمة بتاعتها على ترابيزة واطية، وماسكة القماش المشجر الجديد بتقصقص فيه بالمقص الكبير. كانت مشغلة إذاعة الأغاني القديمة، صوت محمد قنديل بيغني جميل وأسمر، وهي بتدندن معاه بصوت خاڤت، ومبسوطة بالستارة اللي بدأت تظهر ملامحها في إيدها.
فجأة، جرس الباب رن.
تهاني رفعت راسها بهدوء. ما اتخضـ,ـتش. كانت عارفة إن اللحظة دي جاية لا محالة، بس ما كانتش عارفة مين اللي هيجي الأول. حطت المقص على الترابيزة، قامت عدلت طرحتها، ومشيت بخطوات بطيئة لحد الباب، فتحت السلسلة ووربت الباب سنة صغيرة.
على الباب، كانت واقفة شاهندة.
بس مكنتش شاهندة بتاعة عزومة الجمعة. مكنتش الست المتأنقة اللي حاطة ميك اب كامل ولابسة فستان شيك ومستنية الناس تمدح في ذوقها. كانت واقفة لوحدها، محمود مكنش معاها. لابسة عباية سودا بسيطة، وشها شاحب، باين عليه الإرهاق والسهر، وتحت عينيها هالات سودا باينة حتى تحت البودرة الخفيفة اللي حطاها. وفي إيدها الاتنين، كانت ماسكة صينية صغيرة عليها شفشق إزاز كبير مليان عصير ليمون بالنعناع فريش، ومعاه طبق فيه كيكة برتقال