كانت ورقة صغيرة مكرمشة شوية، طرفها لونه أبيض منقوش عليه أزرق خفيف، وتحتها متعلقة سلسلة مفاتيح صغيرة ميداليتها نحاس قديمة على شكل مصحف سلسلتي أنا! سلسلة شقتي اللي دورت عليها في شنطتي أول ما روّحت امبارح وكنت فاكرة إني نسيتها على ترابيزة الصالون في بيتي.
حمايا وقف في نص الصالة، بص لنادية اللي كانت لسه قاعدة فارشة ملاية الأصول وبتمد في لسانها بالكلام المعسول، وبص ليا وأنا واقفة على العتبة، ريقي ناشف ودمي محروق.
صوته طلع جهوري، فيه حزم الراجل الكبير اللي مبيحبش اللف والدوران مين فيكم اللي نسيت مفاتيح شقتها في قعر كيس السوبر ماركت؟
ومين اللي دافعة الحساب ده كله بالفيزا كارد ومكتوب اسمها على الفاتورة من تحت؟
الكلمة نزلت زي الطوبة في مية راكدة، طرطشت على وش نادية فجأة، خلت ملامحها تبهت في ثانية. الشفايف اللي كانت بتتمطق بالكلام وتوزع نبرات المظلومية اتفرقت، وعينيها وسعت برعب وهي بتبص للورقة اللي في إيد حمايا.
حماتي عدلت طرحتها وبصت لجوزها باستغراب فاتورة إيه ومفاتيح إيه يا حاج؟ إحنا بنتكلم في واجب البت ملك عيانة وعملت اللوز، ونادية كتر خيرها ما قصرتش جابت الشيلة الثقيلة، والتانية اللي ابنك شاقي عشانها جاية إيد ورا وإيد قدام!
حمايا مشي خطوتين ورمى الفاتورة والمفاتيح على الترابيزة الصغيرة اللي جنب كنبة حماتي، وقال وهو بينفخ أنا طالع من عند ملك دلوقتي، لقيت أبوها بيفضي الكيس عشان يحط العصاير في التلاجة، لقى المفاتيح دي واقعة تحت خالص في قعر الكيس، ولازق فيها فاتورة ماركت أولاد رجب فاتورة بميتين وخمسين جنيه وشوية فكة، مسحوبة من كارت بنك مصر، ومكتوب تحت خالص اسم العميل أروى إبراهيم مين أروى دي بقى يا نادية؟ اسم الدلع بتاعك ولا إيه يا بت الناس؟
الصالة سكتت لدرجة إني سمعت صوت دقات قلبي بتخبط في قفصي الصدري.
أم ملك، اللي كانت قاعدة جنب حماتي ولابسة عبايتها السودا ومقموعة عشان فاكرة إني استخسرت في بنتها باكو بسكوت، وشها احتقن وبصت لنادية بصدمة نادية؟ مش إنتِ اللي حطيتي الكيس بإيدك وقلتي لي دي حاجة بسيطة يا أم ملك عشان خاطر حلق البت ميتجرحش، وأنا من الصبح بلف عشان أنقي العصاير الخفيفة؟!
نادية اتلجلجت، صوابعها بدأت تفرك في كم عبايتها بطريقة هستيرية، وقامت وقفت نص قومة كده ورجعت قعدت تاني، وشها قلب أصفر ليموني أنا أنا يا عمي أصل الموضوع مش كده هو حصل سوء تفاهم بس!
أنا هنا ما قدرتش أمسك نفسي أكتر من كده.
الخطوة اللي كنت واقفاها عند الباب قربتها، دخلت لحد نص الصالة، وكنت بحس برجلي بتغرز في السجادة من كتر الغيظ المكتوم. بصيت في عين نادية مباشرة، وقلت بصوت بيترعش من القهر سوء تفاهم إيه يا نادية؟ انطقي! قولي لعمي وحماتي سوء التفاهم كان فين؟ لما قابلتك عند أول الشارع وإيدك فاضية ولقيتيني شايلة الكيس اللي بيقطع الإيد؟ ولا لما ابني عيط على السلم وقلتِ لي هاتي الكيس أشيله أنا وإنتِ شيلي ابنك كتر خيرك وعملتي فيها أخت حنينة؟ ولا لما دخلتي وحطيتي الكيس على الترابيزة وقعدتي جنبها تنفخي في نفسك وتقولي أنا جايبة من الغالي؟
نادية بلعت ريقها بالعافية، وبدأت نبرتها تتحول للهجوم، الطريقة المعتادة لأي حد بيتمسك متلبس ومبيعرفش يدافع عن نفسه بالحق جرى إيه يا أروى! هو إنتِ هتعملي عليا نمرة قدام الكل؟! ما أنا كنت طالعة وناوية أحاسبك! نسيتي لما قلت لك تحت هاتي أشيل وأنا وإنتِ واحد وبنبقى نسوي الحساب؟ هو إنتِ كل ما تدفعي قرشين تقعدي تذلي فينا وتعملي قصة وحكاية عشان كيس زبادي؟!
حماتي بصت لها وبصت لي، وعينيها كانت بتتحرك بسرعة بيني وبينها، الست مبتحبش تعترف إنها اتسرعت في الحكم، بس الوقيعة كانت أكبر من إنها تتغطى.
حماتي قالت بصوت ناشف بس إنتِ يا نادية مقلتيلناش إن الكيس بتاع أروى إنتِ دخلتي هنا قعدتي تقولي أروى دي مابيعجبهاش العجب، وما دخلتش حتى ببرتقانة، وأنا اللي شيلت وحطيت ووجبت عشان خاطر سلفتي الكبيرة!
أم ملك وقفت على حيلها، وكانت مصدومة، مش بس عشان الكيس، لأ عشان حسّت إنها اضحك عليها، وإنها اتسرعت وخاضت في حقي قدام حماتي وسلايفي يعني إنتِ يا نادية كنتِ عارفة إن أروى هي اللي شارية الحاجة دي كلها من جيبها وباسمها، وسيبتيني الصبح اتصل بحماتي وأقول لها مرات الغالي دخلت عليا بإيد فاضية وكسرت بخاطر البت العيانة؟ سيبتيني أطلع في صورة الست الناكرة للجميل؟!
نادية عينيها زاغت في السقف، ولقت نفسها مزنوقة في ركن ضيق، فراحت للمنطقة اللي بتعرف تلعب فيها كويس قلب الترابيزة والدراما. بدأت تدمع، ومسحت عينيها بطرف الطرحة بصوت مكسور والله العظيم ما قصدت حاجة وحشة أنا لما دخلت وشوفت البت نايمة وتعبانة قلت الكيس كيسنا كلنا، وإحنا سلفات وإخوات، ومكنتش فاكرة إن أروى هتدقق أوي في الشكليات دي! وبعدين يا أم ملك أنا كنت هحاسبها والله، بس إنتِ اللي استعجلتي ونزلتي الصبح تشتكي لحماتي، وأنا لما لقيتك زعلانة قلت أهديكي وأقول إن حد فينا وجب وخلاص! هكون قصدت إيه يعني؟ هسرق كيس زبادي؟! هو ده مقامي عندكم بعد السنين دي كلها؟!
حمايا خبط كفه على الترابيزة خبطة خلت الكل يتنفض اقفلي بوقك ده يا نادية! كيس زبادي إيه وشكليات إيه اللي بتتكلمي فيها؟! الحكاية مش حكاية زبادي ولا عصير، الحكاية حكاية ذمة وضمير! تاخدي تعب غيرك وتنسبيه لنفسك، وتسيبي البت التانية تتهان في غيبتها ويتقال عليها بخيلة وقليلة الأصل، وإنتِ قاعدة تتباكسي وتعملي فيها بنت الكرم؟ لو ما كانش الكارت مسحوب بيه والفاتورة واقعة في القعر، كان زمان أروى لحد النهاردة مطبوق عليها العيب وسيرتها على كل لسان في العيلة!
كلام حمايا كان زي المسمار في دماغي، طمن قلبي إن حقي ما ضاعش في اللحظة دي، بس النار اللي جوايا من حركة نادية مهدتش. الوجع مكانش في الفلوس، الوجع في الغدر اللي جه من تحت لتحت، في الابتسامة الصفرا وهي بتقول لي هاتي أشيل عنك، وهي في نيتها تطعني في ضهري أول ما الباب يتقفل.
أم ملك قربت مني، كان وشها في الأرض، مدت إيدها ومسكت كتفي حقك عليا يا أروى أنا شيطاني وزّني، ولقيتك مشيتي من غير ما تقولي
جبت ولا ما جبتش، ونادية هي اللي كانت حاطة الشنطة قدامها، فقلت في بالي إنك جاية ضيفة شرف، ودمي فار عشان بنتي حقك على راسي يا أختي.
بصيت لأم ملك، وقلت بهدوء حاولت أخليه أتقل من أي زعيق أنا مكنتش محتاجة أقول يا أم ملك الأصول مبتقولش إن الواحد يدخل بالشنطة ويقعد يفرّج الناس ويقول شوفوا جبت إيه وبكام. الأصول إن الواجب يتعمل لوجه الله ولصلة الرحم، ويتحط على جنب من سكات. بس المشكلة مش فيكي المشكلة في اللي عايش وسطنا وعينه في اللي في إيد غيره، ومش بس عينه ده يمد إيده وياخده كمان ويسيبك تتحرقي.
نادية رفعت وشها وبصت لي بغل، الغل ده مكنش متداري خلاص، كل الأقنعة وقعت. وقفت وربطت طرحتها جامد وقالت خلاص يا ستي، هديتي حيلك وعملتيها محكمة؟ أنا غلطانة إني شيلت عنك، كان المفروض أسيبك تتكسري على السلم بإبنك وشيلتك! والفلوس اللي وجعاكي دي، أنا هطلع شقتي دلوقتي وأرميها في وشك مليم ينطح مليم، عشان ميبقاش ليكي فضل عليا ولا على العيلة دي كلها!
حماتي هنا اتدخلت، بس نبرتها المرة دي كانت مكسورة، لأنها كانت جزء من اللعبة اللي اتعملت عليا الصبح وشحنت أم ملك ضدي اقعدي يا نادية واستغفري ربك، بلاش قلة حيا قدام حماكي!
بدل ما تعتذري لسلفتك وتطيبي خاطرها على الكلام اللي اتقال في حقها، رايحة تعلي صوتك؟!
نادية سابتهم ومشت، رزعت باب شقة حماتي وراها وهي طالعة، وصوت كعب شبشبها كان بيخبط في السلالم بغيظ.
فضلت واقفة مكاني، حمايا بص لي وقال بنبرة حنينة خدي مفاتيحك يا بنتي، وحقك عندي أنا إنتِ بنت أصول وعينك مليانة، واللي عملتيه ده مش هيروح هدر، ربنا عالم بالنوايا.
أخدت المفاتيح، حطيتها في جيبي، بس الحكاية بالنسبة لي مكنتش خلصت، ولا النار اللي قادت في البيت هتنطفي بالسهولة دي.
طلعت شقتي فوق، دخلت، قفلت الباب ورايا، ورميت نفسي على الكنبة.
ابني كان نايم في السرير بعد ما تعب، والبيت هادي، بس الهوا كان تقيل ومخنوق.
بعد أقل من ساعة، سمعت صوت دبة رجيل على السلم، مش نادية دي خطوة جوزي، أحمد.
الباب اتفتح، دخل وشه مقلوب، عينيه حمرة، ورامي المفاتيح على الجزامة بعنف. أول ما دخل الصالة، بص لي وقال بنبرة حادة، نبرة واحد مشحون على آخره ومستني شرارة عشان ينفجر إيه اللي حصل تحت ده يا أروى؟! إيه الفضايح اللي مسمعة في الشارع دي؟! أخويا عصام مكلمني في الشغل بيزعق وبيقولي مراتك طردت مراتي وبهدلتها ومسحت بكرامتها الأرض عشان كيس زبادي وعصاير؟!
هو إنتِ مبتصدقي تلاقي جنازة وتشبعي فيها لطم؟ فضحتونا وفضحتوا البيت كله عشان شوية مصاريف فارغة؟!
قمت وقفت على حيلي، دموعي اللي حبستها تحت نزلت غصب عني، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف كانت دموع قهر.
أخوك عصام قالك كده يا أحمد؟ مقالكش مراته عملت إيه الأول؟ مقالكش إنها سرقت واجبي، ولبستني تهمة البخل وقلة الأصل قدام أمك وأهلك، وسابتهم ينهشوا في لحمي طول النهار؟!
أحمد قرب مني، وصوته كان عالي لدرجة خلتني أترعش أنا ماليش دعوة بمين عمل ومين سوا! نادية غلطت؟
كان ممكن الموضوع يتلم بينكم وبين بعض من سكات، مش تقومي الدنيا وتقعديها قدام أبويا وأمي وتخلي أخويا الكبير يكلمني يحسسني إني مش مالي إيدك ولا عارف ألم بيتي! عصام حالف يمين طلاق دلوقتي إن رجلي ما تخطيش شقته، ولا مراتي تدخل عند بنته تاني عاجبك الخراب اللي دخل بين الأخوات ده؟!
بصيت لأحمد، وحسيت بغربة عمري ما حسيتها معاه قبل كده. الراجل اللي كنت مستنياه يدخل يطبطب عليا ويقولي أنا عارف إنك بنت أصول وحقك عليا، داخل يحاسبني عشان كرامة سلفتي اللي باعت ضميرها، وعشان خايف من زعل أخوه الكبير!
قلت له بصوت واطي، بس الكلمات كانت بتطلع زي الرصاص يعني إنت يا أحمد، شايف إن سكاتي على حقي كان هو الحل؟ كان يرضيك أكون في نظر أمك وأهلك الست اللي دخلت إيد ورا وإيد قدام واستخسرت في بنت أخوك، عشان الهانم تطلع هي الحنينة الكريمة؟ هو ده اللي كان هيحفظ كرامتك قدام إخواتك؟
أحمد اتلجم لثانية، وشه جاب ألوان، كأنه استوعب حجم الظلم اللي أنا عشته، بس كبرياء الراجل الشرقي عماه، وما رضاش يرجع في كلامه مش ده القصد يا أروى القصد إن البيت ده له كبير، وإن المواضيع دي مبتتحلش بالصريخ وفضايح السلالم!
وبعدين أخويا عصام ده مالوش ذنب في عمايل مراته، ليه يتقطع بينا بسبتكم؟
وقبل ما أرد، سمعنا صوت خبط جامد وعالي على باب شقتنا، خبط مش طبيعي، خبط كأن اللي ورا الباب هيكسره.
جري أحمد على الباب وفتحه، ووقفت أنا وراه بمسافة.
