منوعات

كنت عند امي رايحة اشرب معاها الشاي

أمي بصت في السقف وقالت بشرود مش عشانها يا منى.. أنا قلبي واجعني على أخوكي.. طارق حنين، وشايل فوق طاقته، متغرب وشقيان في الشمس والمطرة عشان يوفر لقمة حلال، والآخر يتجازى بالغدر من أقرب الناس ليه؟ أنا كنت حاسة يا بنتي، قلبي كان دايماً قارصني من البت دي، بس كنت بقول معلش عشان خاطر الولاد نمشي المركب.. بس المركب اللي تخرمها قلة الأصل لازم تغرق.
في الوقت ده، كان صوت الدوشة فوق هدي تماماً. وبعد حوالي نص ساعة، سمعنا صوت خطوات نازلة على السلم، مش خطوات ياسمين لوحدها.. خطوات كذا حد.

قومت براحة وبصيت من العين السحرية بتاعة الباب، لقيت أبو ياسمين، راجل كبير على المعاش، وشه في الأرض مش قادر يرفعه، ومعاه ياسمين شايلة شنطة هدومها وماسكة إيد بنتها فريدة وبتعيط، وأخوها الشاب اللي كان السبب في كل المصيبة دي ماشي وراهم وشه أصفر زي اللمونة، ومحدش فيهم نطق بحرف ولا حتى خبطوا على باب أمي يعتذروا أو يطيبوا خاطرها. نزلوا في صمت رهيب، كأنهم جنازة ماشية في هدوء الليل.
طارق نزل بعدها بدقائق. دخل شقة أمي، شكله كان متبهدل، عيونه غرقانة دموع وشنبه بيرتعش.

أول ما دخل ركع قدام رجلين أمي ودفن راسه في حجرها وانف.جر في العياط زي العيل الصغير كسرتني يا أمي.. كسرتني وضيعت تعبي.. كنت فاكر إني بنيت بيت وهي صانته، طلعت بتبني بيت أهلها على أنقاضي أنا وعيالي!.
أمي قعدت تطبطب على ضهره بحنان الدنيا كله، وتمسح على شعره يا بني ارفع راسك، متكسرش نفسك عشان حد، اللي يبيعك بيعه برخيص ومتبكيش عليه، ربنا نجدك وفضح المستور قبل ما العمر يفوت وأنت مغمى عينك.. المهم عندي صحتك وعيالك، العيال ملهمش ذنب في وساخة الكبار.
قعدنا الليل كله صاحيين، مفيش عين فينا غفلت.

طارق حكى لنا إنه رجع بدري عشان يعمل هو مفاجأة لياسمين بمناسبة عيد ميلاد ابنهم، كان جايب للواد عجلة جديدة شايلها في شنطة العربية تحت، وأول ما طلع الشقة وفتح بالمفتاح على غفلة، لقى ياسمين وأخوها بيتخانقوا في الصالة بصوت واطي على فلوس تمن الحلق، وأخوها بيقولها اصبري عليا الجمعية هتتأخر أسبوعين،

ومن هنا انف.جر البركان وعِرف كل المستخبي اللي كانت مدارياه من سنين!
الصبح طلع علينا بنوره الهادي، والشمس دخلت من البلكونة، لكن جوة البيت كان في غيمة سودا تقيلة. طارق كان نايم على الكنبة بتعبه بعد ما أخد مهدئ، وأنا كنت قاعدة جنب أمي بنشرب شاي من غير نفس.
وفجأة.. تليفون البيت الأرضي رن رنة حادة قطعت سكون الصباح.
قومت بسرعة عشان ميرنش كتير ويصحي طارق. رفعت السماعة وقولت بصوت واطي ألو؟.
الصوت اللي رد مكنش صوت ياسمين، ولا صوت أبوها..

كان صوت ست تانية خالص، صوت غريب ومريب، نبرتها كانت خبيثة وبتتكلم بثقة غريبة صباح الخير يا ست هانم.. مش ده برضه بيت الأستاذ طارق فلان؟.
أيوا هو، مين حضرتك؟ سألتها وأنا حاسة بنغزة غريبة في صدري.
الست ضحكت ضحكة صفرا وقالت قولي للأستاذ طارق يلحق نفسه، لأن ياسمين هانم مش عند بيت أبوها زي ما هو فاكر.. الهانم دلوقتي في قسم الشرطة بتعمل فيه محضر ض.رب وسرقة تبديد عفش، ومطلعة تقرير طبي بإصابات ملهاش أول من آخر.. ولو فاكرين إن الحكاية خلصت على حلق دهب وتورتة، تبقوا لسه متعرفوش ياسمين وعيلتها مخبيين إيه ورا ضهركم!.

الخط قطع في وشي.. وتوت توت توت كان الصوت الوحيد اللي بيتردد في وداني.
اتسمرت مكاني والسماعة وقعت من إيدي على السجادة، وبصيت لأمي اللي كانت قاعدة مستنية تعرف مين اللي بيتصل، وشفت طارق بيفتح عينيه وبيصحى من النوم على صوت خبطة السماعة…

السماعة كانت بتزن على الأرض بصوت الصفارة المتقطعة، وأنا كنت حاسة إن الحيطان بتلف بيا. طارق فتح عينه بنعاس مكسور، فرك وشه وبصلي باستغراب مين يا منى اللي بيتصل على الصبح كده؟ في إيه وشك مخطوف ليه؟.
لساني كان متكتف، بلعت ريقي بصعوبة بالغة وقولت وصوتي بيرتعش طارق… البس هدومك بسرعة، ياسمين في القسم!.
طارق اتنفض من على الكنبة زي الملدوع، حتى التعب والهدة اللي كانت فيه اتبخرت في ثانية في القسم بتعمل إيه؟! بنتي جرالها حاجة؟ ابني حصله حاجة؟!.
لأ يا طارق… بتعمل فيك محضر ض.رب وتبديد، ومطلعة تقرير طبي!

الجملة نزلت على الصالة زي برميل بارود انف.جر. أمي قامت وقفت على رجليها اللي كانت بتشتكي منها طول الليل، صرخت بصوت مكتوم يا مري! ض.رب إيه وتبديد إيه؟! دي خارجة من البيت على رجليها ومحدش لمس شعرة منها! ده طارق معمرش إيده عليها في عز ما كان شايط! بتتبلى على ابني؟!.
طارق فضل ساكت ثانيتين كاملين، السكوت اللي بيسبق طوفان. عيونه اتحولت لكتلة نار هادية، الهدوء ده كان يخوف أكتر من أي زعيق. مسح على وشه بقوة وقال بصوت جامد أنا مش هسيبها تكسرني مرتين. الأولى عدتها عشان بنتي وابني، لكن قلة الأصل لما توصل للمحاضر والشرطة، يبقى مفيهاش رحمة.

طلع يجري على شقته فوق عشان يغير هدومه وياخد أوراقه، وأنا نزلت بسرعة رنيت على جوزي وعلى خالتي، وقولت لأمي وحياتك عندي يا أمي ما هتتساب.. الغدر ده ميتسكتش عليه. بس أمي كانت قاعدة بتبكي وبتدعي يا فارج الهم، يا كاشف المستور، اظهر حق ابني المظلوم وانصره على اللي خانوه.
طارق نزل، لابس ومستعد، وشه مفيش فيه نقطة دم بس عينيه فيها ثبات راجل ناوي ياخد حقه بالقانون.

نزلنا الشارع، وركبنا مع بعض رايحين على قسم الشرطة، وفي السكة اتصلت بمحامي ابن حلال صاحب طارق من زمان اسمه أستاذ عصام، حكيناله السكة في كلمتين، وقالنا سبقوني على هناك ومحدش فيكم يفتح بوقه بكلمة لحد ما أجيلكم، الحركات دي حافظينها صم.
أول ما وصلنا القسم، أستاذ عصام كان واقف مستنينا على البوابة. دخلنا المباحث، وهناك كانت الصدمة التانية. ياسمين كانت قاعدة على دكة في الطرقة، حاطة شال على كتافها، وتحت عينها في زرقة غريبة، وإيدها اليمين ملفوفة بشاش، وقاعد جنبها أخوها محروس وأمها، وأول ما شافت طارق، عيطت بصوت عالي كأنها شافت عزرائيل أهو يا باشا!

أهو اللي كان هيمو.تني إمبارح بالليل وسرق دهبي وطردني في أنصاص الليالي!.
أخوها محروس وقف ونفخ صدره وبص لطارق بغل جاي برجليك يا بطل؟ والله لنسجنك وناخد شقا عمرك كله، مبقاش إلا الحثالة يمدوا إيدهم على أختي!.
طارق كان هيندفع ناحيته، بس أستاذ عصام شد طارق من كتفه بقوة وهمسله اثبت مكانك، ولا حركة، ولا كلمة، هو عايز يستفزك عشان تعمل مصيبة هنا قدام الأمين.
دخلنا لأمين الشرطة اللي بيكتب المحضر، والراجل كان باين عليه الزهق من قضايا البيوت، بس التقرير الطبي اللي في إيده كان تقيل كدمات في الوجه وسحجات متفرقة واشتباه كسر في الرسغ.

عصام المحامي قعد وقدم كارنيه النقابة وقال بكل هدوء يا فندم، التقرير ده كيدي والواقعة دي ملفقة جملة وتفصيلاً، وموكلي طارق موظف محترم ومعندوش سوابق، والهانم نزلت من بيتها إمبارح الساعة اتنين بالليل سليمة معافاة، بكامل إرادتها ومعاها والدها وأخوها.
أم ياسمين زعقت من ورا كذابين! كذابين وستين كذابين! ده بنتي كانت بتمو.ت ونازلة سايحة في دمها، حتى اسألوا الجيران!.
هنا طارق مقدرش يسكت، بص للضابط وقال يا باشا، أنا راجل شقيان على لقمة عيشي، عمري ما مديت إيدي على ست، ولا ربياني أبويا على كده.

الست دي مراتي بقالها سبع سنين، إمبارح اكتشفت إنها بايعة دهب بنتي من ورا ضهري، وحصلت مشادة كلامية، نزلت مع أبوها من غير ما ألمس منها شعرة، وربنا شاهد على كلامي.
الضابط بصلهم الاتنين بتمعن، وهو راجل فاهم وخبير في مشاكل الحريم والأزواج الكلام ده كله هيتحقق فيه في النيابة، إحنا هنا بنحرر المحضر بالتقرير الطبي المرفق، والنيابة هي اللي تفصل.
خرجنا من الأوضة والجو مسموم بالغل. أخو ياسمين قرب من طارق وابتسم بخبث وهو بيهمس بصوت واطي ومستفز العفش كله هيتفرش في المحكمة، وقايمة المنقولات ب 600 ألف جنيه، غير المؤخر، غير حبسك في الض.رب يا طارق..

هتدفع تمن الحلق ده دم قلبك، وهتركع عشان نبقى نتنازل!.
أنا دمي غلي، وكنت لسه هرد عليه وأمسح بكرامته الأرض، بس طارق مسك إيدي وبص لأخوها في عينه بنظرة مو.ت وقاله الحق مبيضيعش يا محروس، واللي بيبني بيته بالحرام والكدب، بيته بيقع على دماغه في الآخر.
رجعنا البيت، طارق كان مهدود بس دماغه شغالة. أستاذ عصام جه معانا يقعد مع أمي، والراجل طلب فنجان قهوة وبدأ يتكلم بعقلانية بصوا يا جماعة.. قضية التبديد والض.رب دي سلاح ذو حدين. هما فاكرين نفسهم أذكياء، بس الغبي لما بيحب يحبكها، بيسيب وراه خيوط تفضحه.

أول حاجة لازم نعملها، نشوف مين اللي شهد على خروجها إمبارح.
أمي رفعت إيدها وقالت فجأة يا بني… هو إحنا مش في الشارع بتاعنا ده في كاميرات؟.
الكلمة كانت زي النور اللي نور في أوضة ضلمة!
أنا ض.ربت على جبهتي يا خبر أبيض يا

أمي! الكاميرات! محل السوبر ماركت اللي قصاد بيتنا على طول، والمدبغة اللي على أول الشارع!.
طارق اتعدل في قعدته كأن الروح ردت فيه أيوا! كاميرا عم جرجس بتاع الماركت جايبة بوابة العمارة كلها من فوق لتحت، بزاوية واضحة جداً!.
عصام المحامي ابتسم وض.رب كف على كف الله ينور عليكي يا حاجة! دي لو جابتها وهي نازلة سليمة من غير ما حد يسندها ولا وشها فيه حاجة، التقرير الطبي ده هيتحول ضدها لجريمة بلاغ كاذب وتزوير، والنيابة هتقل الموضوع عليهم جحيم!.
طارق مقعدش دقيقة، نزل جري على عم جرجس.

عم جرجس راجل أصيل وجار عمر لأبويا الله يرحمه، أول ما طارق قاله، الراجل قفل دكانه وفتح جهاز التسجيلات من عنيا يا طارق، ده أنت ابني، وأنا عارف أصلك وفصلك، مش البت دي اللي هتتبلى عليك!.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى