منوعات

خطيبة ابني عزمتني علي الغدا

الدكتور اتنهد تنهيدة تقيلة وقال: الحمد لله لحقناها، ضغطها كان واصل لمستوى خطير جدًا وعمل نزيف حاد، ده غير هبوط حاد في الدورة الدموية ناتج عن توتر عصبي غير طبيعي وامتناع عن الأكل بقالها كذا يوم. إحنا علقنالها محاليل ووقفنا النزيف، بس المريضة مش مستحملة أي ضغط نفسي، لو كانت اتأخرت ربع ساعة كمان كانت دخلت في جلطة لا قدر الله. هي فاقت دلوقتي وبتقدر تتكلم، بس بلاش أي شحن أعصاب عشان تفضل مستقرة.

الدكتور مشي، وأحمد اتنفس براحة كأنه كان شايل جبل على كتافه، وبصلي وقال: الحمد لله يا رب.. الحمد لله إنها بخير. هندخل نطمن عليها يا ماما، وبعدين نفهم حكاية الشنطة دي إيه، عشان أنا مش مرتاح من الصبح. بصيت لأم ندى وقولت بصوت واطي بس حاد زي السيف: إحنا هندخل سوا، بس الشنطة دي حسابها بعدين، ولما تخرجوا بالسلامة لكل حادث حديث.

دخلنا الأوضة، كانت ندى نايمة على السرير، وشها أبيض زي الشمع والمحاليل متعلقة في دراعها. أول ما شافت أمها، عنيها دمعت، ولما شافتني داخلة ورا أحمد، حسيت بجسمها كله اتشنج وسحبت الملاية عليها كأنها عايزة تستخبى من الدنيا كلها. أحمد قرب منها ومسك إيدها بحنية: ألف سلامة عليكي يا ندى.. خضتيني عليكي يا شيخة، إيه اللي وصلك لكده بس؟ ندى بصت لأحمد بكسرة وندم حقيقي، وبعدين بصت لأمها اللي كانت واقفة تبكي، وفي الآخر عينيها جت في عيني. النظرة اللي في عينيها مكنتش نظرة واحدة خبيثة ولا واحدة بتدبر مصيبة، كانت نظرة بنت صغيرة تايهة ومغلوبة على أمرها وخايفة تضيع.

ندى اتكلمت بصوت أضعف من الهمس: سامحني يا أحمد.. سامحني والنبي يا طنط. أحمد استغرب وبصلي وبصلها: أسامحك على إيه يا بنتي؟ إنتِ عيانة ومحدش زعلان منك، فهميني بس في إيه ومالك؟ ومين اللي كان موترك كده؟ والشنطة اللي في العربية دي بتاعة مين؟ ندى غمضت عينيها والدموع نزلت سيول على خدودها، وقالت بصوت متقطع: الشنطة دي خراب بيوت يا أحمد.. الشنطة دي نار، وأنا كنت هحرقك بيها عشان أنقذ نفسي وأنقذ أبويا. أحمد اتنطر من مكانه وبص لأمه وبصلها بذهول: نار إيه وخراب إيه؟! حد يفهمني في إيه في البيت ده من إمبارح للنهاردة؟!

هنا مقدرتش أسكت، وقفت جنب السرير وبصيت لأحمد وقولت بحسم: اسمع يا أحمد.. جه الوقت اللي تعرف فيه الحقيقة كلها من غير لف ولا دوران. خطيبتك وأهلها واقعين في ورطة سودة بسبب أبوها، أبوها هربان وسايب عليهم ديون وبلطجية، وسارق أوراق ودهب من ناس كبار ومخبيهم عندهم في البيت. والبيت اللي روحناه إمبارح مكنش مكركب عشان هما مهملين، كان مهدود عشان البلطجية هجموا عليهم وقلبوه! وأمها كانت خايفة تشوف الشنطة دي في المطبخ عشان ماتعرفش الكارثة، والنهاردة أبوها اتصل بالبنت وخلاها تجيب الشنطة دي عندك، عشان لو الناس دي طبوا، يطبوا عليك إنت، وتلبس إنت القضية وتضيع مستقبلك وشغلك!

أحمد رجع خطوتين لورا، ملامحه اتجمدت ووشه احمر بطريقة ترعب، وبص لندى وهو مش مصدق ودانه: الكلام ده حقيقي يا ندى؟ إنتِ كنتِ جايبالي الشنطة عشان تلبسيني مصيبة أبوكي؟! أنا اللي وثقت فيكي وكنت بجهز شقتنا سوا؟!

ندى انهارت تمامًا وقعدت تصرخ وتبكي بهستيريا، والممرضة دخلت تجري تهديها، بس ندى زقتها وقالت وهي بتشهق: لا والله العظيم ما كنت هسيبك تتأذى! والله العظيم يا أحمد أبويا هددني.. أبويا اتصل بيا الصبح وقالي لو مخرجتيش الشنطة دي من البيت وحطيتيها في عربية أحمد، الناس هيدخلوا يدبحوا أمك ويدبحوكي، وقالي أحمد مهندس ومحدش هيشك في عربيته ولا هيفتش وراه، وساعة واحدة والراجل صاحب الحاجة هياخدها منه في الشارع وخلاص! بكت بحرقة وكملت: أنا من خوفي على أمي خدت الشنطة وجريت، بس أول ما ركبت جنبك وشوفت خوفك عليا وسؤالك الحنين، حسيت إني حقيرة..

حسيت إني ببيع الإنسان الوحيد اللي وقف جنبي وحبني عشان راجل رمانا وهرب ومسألش فينا! مقدرتش أنطق، مقدرتش أقولك خبيها عندك، وجالي نزيف من كتر الرعب والذنب ووقعت بين إيديك! أنا استاهل الحرق يا أحمد.. ارميني في الشارع وبلغ عني البوليس، بس أمي ملهاش ذنب، أمي كانت بتمو.ت من الر.عب زيي! الأوضة كلها سكتت، ومبقاش مسموع غير صوت شهقات ندى وبكا أمها اللي قعدت على الأرض في زاوية الأوضة حاطة راسها بين ركبها.

أحمد فضل باصص لندى بنظرة عمري ما شوفتها في عينه قبل كده.. نظرة خيبة أمل ممتزجة بصدمة ووجع يقطع القلب. الراجل لما ينكسر من أقرب حد ليه بيبقى أصعب من المو.ت. طلع مفاتيح عربيته من جيبه، وحطها على الترابيزة جنب السرير، وبص لأم ندى وقال بصوت هادي بشكل يخوف: الشنطة دي هتنزل من عربيتي دلوقتي حالًا. مش هتفضل دقيقة واحدة فيها. أم ندى رفعت راسها برعب وقالت: والناس اللي بره يا ابني؟ دول لو عرفوا إنها معانا هيق.تلونا!

أحمد مسح وشه بإيده الاتنين، وأخد نفس عميق، وظهر فيه معدن ابني اللي ربيته عليه.. الشهامة والأصل حتى مع اللي جرحوه. بص لأمها وقال: أنا مش هسيبكم للبلطجية يدبحوكم، ولا هقبل إن راجل يتهان في بيته وبناته يتبهدلوا كده، بس في نفس الوقت أنا مش هخون شغلي ولا هخالف ضميري. صاحب الشغل اللي أبوكي سارق منه الورق ده، هو رئيس مجلس إدارة الشركة اللي أنا شغال فيها.. راجل حقاني وصارم، بس مابيقبلش بالظلم. بصيت لأحمد بقلق وقولت: ناوي على إيه يا أحمد؟ بلاش تورط نفسك يا ابني!

أحمد بصلي بنظرة كلها ثقة وقال: متخافيش عليا يا أمي.. ابنك راجل ومبيعملش العيب. خرج أحمد من الأوضة، وأنا نزلت وراه على طول، ونزلنا للجراج. فتح شنطة العربية، وطلع الشنطة الجلد التقيلة. مسك تليفونه، وطلب رقم، واستنى ثواني لحد ما الخط فتح: السلام عليكم يا باشمهندس طارق.. بعتذر على الاتصال في وقت زي ده، بس في أمانة تخص حضرتك وموضوع خطير لازم أبلغك بيه وجه لوجه، ومش هينفع يتاجل دقيقة واحدة. أنا قدام مستشفى الميري، ومستني حضرتك في أي مكان تختاره.

الراجل على التليفون شكل نبرته اتغيرت وطلب منه يجيله على مكتبه في سموحة حالًا. أحمد بصلي وقالي: ماما، اركبي معايا، مش هسيبك لوحدك، وعايزك تبقي شاهدة على كل خطوة. روحنا المكتب، وقابلنا المهندس طارق، راجل في أواخر الخمسينات، وشه صارم وهيبته واضحة. قعدنا، وأحمد حط الشنطة على المكتب قدامه بكل هدوء. الراجل بص للشنطة بصدمة، وفتحها ولقى الورق والدهب ودفاتر الشيكات زي ما هي. رفع عينه لأحمد وسأله بحدة: الحاجة دي كانت فين يا أحمد؟ وإنت وصلتلها إزاي؟ إبراهيم الهربان ده فين؟!

أحمد اتكلم بمنتهى الصدق والأمانة، محورش ولا كدب، حكى القصة من طقطق لسلامو عليكم، من أول يوم خطوبة لحد اللحظة اللي ندى وقعت فيها مغمى عليها في عربيته. حكى عن خوف الستات، وعن تهديد الأب ليهم، وعن محاولة توريطه، بس أكد على حاجة واحدة: يا باشمهندس طارق، البنت وأمها ضحايا راجل مبيخافش ربنا، هما مالهومش ذنب في سرقة ولا نصب. هما كانوا مرعوبين من الناس اللي بتهددهم، والبنت لما لقت نفسها هتورطني، ضميرها صحي ووقعت من طولها ومقدرتش تأذيني. حاجتك عندك كاملة مليم مليم، وأنا اللي جايبهالك برجلي عشان دي أمانة، وميرضينيش أكل عيشي يبقى فيه شائبة واحدة. بس أترجاك..

اكفيهم شر الناس اللي بتبعتوهم يكسروا الباب عليهم، كفاية اللي هما فيه. الراجل فضل باصص لأحمد دقيقة كاملة من غير ما ينطق، عينه كانت بتدرس ملامح ابني. وبعدين اتنهد وقفل الشنطة وقال: قليلين أوي اللي زيك اليومين دول يا أحمد.. راجل شهم وأمين، وكان ممكن تاخد الحاجة دي وتساوم بيها أو ترميها وتبعد عن الحوار كله. حقك عليا، والناس اللي كانوا بيدوروا دول مكنوش بلطجية بالمعنى، دول محامين ورجالة حراسة بتوعي كانوا بيطالبوا بحقي من النصاب ده، ومن اللحظة دي محدش هيقرب من بيت مراته ولا بنته. أما إبراهيم، فالقانون كفيل بيه ومسيره يقع.

خرجنا من الشركة وأنا حاسة بفخر الدنيا كله في قلبي، حطيت إيدي على كتف أحمد وقولتله: رفعت راسي يا ابني، ربنا يبارك في عمرك ويحميك من كل شر. أحمد ابتسم بمرارة، وهز راسه وقال: الحمد لله يا أمي.. بس لسه في خطوة أخيرة لازم تخلص النهاردة. رجعنا المستشفى، كانت ندى استردت شوية من عافيتها، وقاعدة على السرير وأمها جنبها مستنيين مصيرهم. أحمد دخل الأوضة، وقف قدام ندى، وطلع علبة الشبكة من جيبه.. العلبة اللي كانت ندى سايباها مع هدومها، وحطها على الكومودينو بهدوء.

ندى بصت للعلبة والدموع اتجمدت في عينيها. أحمد اتكلم بنبرة هادية بس قاطعة مفيهاش رجعة: ندى.. حاجتك وأبوكي خلاص في أمان، الباشمهندس طارق استلم أمانته ووعد إن محدش هيتعرضلكم تاني، والبوليس هيتصرف مع أبوكي بالقانون. وأنا عملت ده عشان أصلي وتربيتي، ومكنش ينفع أشوف ستات في ورطة وممدش إيدي. أم ندى قامت بكت وقالت: ربنا يسترك يا ابني دنيا وآخرة ويجعلها في ميزان حسناتك!

أحمد كمل وبص لندى مباشرة: بس الجواز ده مش هيكمل. أنا أقدر أسامح في الفقر، أقدر أسامح في كركبة بيت ولا قلة حيلة، بس مقدرش أعيش مع إنسانة فكرت للحظة واحدة إنها تضحي بيا عشان تنجي نفسها. مقدرش أدخل بيت الأمان فيه مش مضمون، والسر فيه بيستخبى تحت الحوض وفوق السطوح. إنتِ بنت حلال وربنا يقف معاكي ويصلح حالك، بس طريقي وطريقك خلاص اتقطعوا هنا.

ندى وطت راسها في الأرض، ومردتش بحرف، كانت عارفة إن ده العدل، وإن اللي اتكسر بينها وبين أحمد ميتصلحش بأي اعتذار. مسكت الملاية بايديها الاتنين ودموعها بتنزل في صمت تام، صمت الندم اللي جه بعد فوات الأوان. خرجنا من المستشفى، الشمس كانت بتميل للغروب، والسما لونها برتقالي هادي فوق بحر إسكندرية. أحمد مسك إيدي وإحنا ماشيين على الكورنيش، وبصلي وابتسم بتعب وقال: زعلانة مني يا ماما عشان فسخت الخطوبة؟

ابتسمت وطبطبت على كتفه بكل حنان الدنيا وقولتله: ازعل منك؟! ده أنا النهاردة بس اتأكدت إني ربيت راجل بجد. راجل عارف الأصول وبيقف مع الضعيف، بس في نفس الوقت عينه مفتحة ومبيسمحش لحد يركبه ولا يضيعه. البيت اللي يدخله النصب وتتوارى فيه الأسرار مبيتبنيش عليه عمار يا ابني. والقرش الحلال والراحة النفسية هما الأساس. بكرة ربنا يعوضك باللي تصونك وتستاهل قلبك ونضافتك، وتكون بنية أصول بجد بيتها مفتوح على البياض من أول عتبته لحد آخر ركن فيه.

ركبنا العربية ورجعنا بيتنا الهادي البسيط، البيت اللي مفيش فيه دهب مسروق ولا ورق مزور، بس فيه رضا وأمان وراحة بال تسوى كنوز الأرض كلها.

انت في الصفحة 4 من 4 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى