قربت منه خطوة واحدة، وصوتي كان واطي لدرجة إنه طلع أهدى من الهمس، بس كان بيقطع زي السكين: أنا مجنونة؟ تمام، رن على أخوك يوسف دلوقتي حالا وقوله يجي، ورن على أمك تطلع. قدامك بالظبط تسع دقايق، لو الدقيقة العاشرة دخلت وما لقيتهمش قاعدين قدامي، أنا اللي هنزل على القسم، وأول ورقة هرفعها هي محضر ضد سارة وأختها وأمها بالصوت المسجل، وتاني ورقة قضية خلع يا طارق، واليمين اللي هحلفه في المحكمة مش هيرجع فيه مخلوق!
طارق وشه اتقلب تمامًا، عرف إن في كارثة حقيقية، وإن الهوا المرة دي مش هزار نسوان ولا خناقة طبيخ. طلع تليفونه من جيبه وإيده كانت بتترعش شوية من غير ما يقصد، وطلب أخوه يوسف وقال له بنبرة متوترة: يوسف، انت وصلت من إسكندرية؟… طب اطلع لشقتي حالا… لا ما تسألش، اطلع إنت وسارة وأمي كمان، إيمان قالباها حريقة هنا ولازم نلم الموضوع.
قفل مع أخوه، وبص لي وهو بيبلع ريقه بعصبية: أمي ست كبيرة يا إيمان، لو قللتي أدبك عليها أو جيتي جمبها بكلمة توجعها… قاطعته قبل ما يكمل: أنا عمري ما قللت أدبي ولا هقلله، الأصول أنا عارفاها كويس، بس الأصول لما بتتداس من أهل البيت، يبقى مفيش احترام لحد، استنى وشوف بعينك عشان تعرف مراتك كانت مستحملة إيه.
عشر دقايق بالظبط، وكان الباب بيخبط. فتح طارق، ودخل يوسف أخوه لسه لابس هدوم السفر والشنطة على كتفه، وراه حماتي ساندة على عكازها ولابسة إسدال الصلاة، وفي الآخر خالص كانت سارة داخلة بتتسحب، عينيها في الأرض، وشها شاحب كالمو.تى، وجسمها كله بيرتعش، كانت متبتة في ديل جلابية حماتي كأنها بتستخبى منها أو منها فيا. حماتي دخلت قعدت على نفس الكرسي اللي قعدت عليه يوم ما أعلنت الحمل المزعوم، وبصت لي بغضب مكتوم وقالت: خير يا ست هانم؟ طارق منزلنا على ملا وشنا ليه في ساعة صلاة الجمعة؟ هو إحنا ما بقاش ورانا غير حكاياتك؟ ما تسيبي سارة ترتاح في سريرها!
يوسف رزع الشنطة على الأرض وقال بلهفة وقلق: في إيه يا جماعة؟ سارة فيها حاجة؟ الحمل جراله حاجة وإنا مسافر؟ إيمان انتي كلمتيها؟ بصيت لسارة، لقيتها وطت راسها في الأرض أكتر، وأصابعها كانت بتفرك في بعضها برعب. ابتسمت ابتسامة باردة جدا، ووقفت في نص الصالة، وسطهم كلهم، ومسكت تليفوني في إيدي. قولتلهم: سارة كويسة وزي الفل يا يوسف، وصحتها أحسن مني ومنك ومن الكل، سارة أصح واحدة في العمارة دي! طارق زعق بنفاد صبر: انتي هتنقطينا بالكلام؟! انطقي قولي في إيه وخلصينا، مش قولتيلى فيه كلام خطير؟!
قولتله بهدوء تام: أنا ما بتكلمش كتير، أنا هسمعكم حاجة صغيرة خالص، تسجيل مدته تلات دقايق، هدية من سلفتي المصونة وأختها هبة وست الحبايب حماتي اللي متفقة معاهم. حماتي أول ما سمعت جملتي اتنفضت على الكرسي، وسارة فجأة صرخت برعب: لأ يا إيمان!! وحياة ولادك بلاش!! خلاص، أنا هقول كل حاجة!! يوسف تنح وبص لسارة باستغراب: تقولي إيه؟! فيه إيه يا سارة؟! سارة قعدت على الأرض منهارة، بتعيط عياط هستيري وبتغطي وشها بإيديها. حماتي وشها اصفر، بس حاولت تتماسك وقالت بصوت متقطع: انتي… انتي بتتبلي على البت وهي عيانة، يوسف، متسمعش كلام مرات أخوك، دي غيرانة من سارة عشان…
قبل ما حماتي تكمل، ضغطت تشغيل في التليفون.
الصوت طلع واضح ونقي، مفيش فيه أي شك، صوت ضحك سارة الرنان اللي كان بيجلجل في التليفون: “يا بنتي حمل إيه بس فال الله ولا فالك، أنا مش ناقصة هم دلوقتي!… كيس مية صغير خالص… أول ما روحت وحكيت لماما على خناقة السمك وإن إيمان دي حاطة راسها براسي… ماما قالتلي دي فرصة نكسر مناخيرها ونعلمها الأدب… نض.رب عصفورين بحجر: نقعدك ست هانم مخدومة ومكرمة، ونعلم سلفتك إزاي تعرف حجمها وتخدمك برضاها وغصب عنها!… بتنزل الصبح وشها أصفر وتكنس وتمسح وتغسلي حتى الهدوم الداخلية!… وجوزها بينزل.. نعمل نفسنا سقطنا ونلبسها هي الليلة ونقول من ريحة أكلها ولا عينها الوحشة!”
الصوت كان مالي الصالة، الكلمات كانت بتنزل زي الرصاص على كل واحد فيهم. طارق فضل مبحلق في الشاشة، وشه قلب أحمر وبعدين أزرق، كأن الدم اتجمد في عروقه. يوسف، جوز سارة، كان مذهول تمامًا، شفايفه بتتحرك من غير صوت، وبص لمراته اللي مرمية على الأرض وهي بتعيط، كأنه مش قادر يستوعب إن دي الست اللي بيلف بيها على الدكاترة من سنين وبيبكي على رجليها عشان نفسها في ضنى. التسجيل خلص. سكون تام ساد الصالة، سكون يقطع النفس، مكنش مسموع فيه غير صوت شهقات سارة المكتومة.
بصيت لطارق، وقولتله وأنا بشاور عليها: هو ده هبل النسوان يا طارق؟ هي دي الأصول اللي اتربيت عليها؟ شيلتني هم وذنب إني ضيعت عيل مش موجود أصلاً، خليتني خدامة بتمسح وتغسل وتطبخ بالمسطرة لواحدة بتضحك عليا في التليفون وبتقول لصاحبتها إني هبلة وغبية ومناخيري اتكسرت؟! هان عليك وتيجي تقولي مهملة في بيتك وتزعقلي قدام عيالي، وكل ده عشان كذبة حقيرة معمولة عشان حتة أكلة سمك؟! طارق مكنش قادر يحط عينه في عيني، وشه نزل في الأرض تمامًا، جسمه كان بيرتجف من الخزي.
أما يوسف، فكان الصدمة عنده مضاعفة ألف مرة. قرب من سارة ببطء، صوته كان مرعوب ومكسور: سارة… الكلام ده بجد؟ انتي مفيش حمل؟ انتي كنتي بتكذبي عليا أنا كمان؟! كنتي بتخليني أسافر وأنا قلبي واكلني عليكي عشان كيس مية؟ وعاملة نمرة عشان تكسري مناخير سلفتك؟! سارة زحفت ومسكت رجل يوسف وهي بتبكي بدموع حقيقية المرة دي: يوسف والله العظيم أمي هي اللي قالتلي، الشيطان شاطر، أنا مكنتش أقصد أوجعك، كنت متغاظة منها، والله العظيم كنت خايفة أقولك إن مفيش حمل فتزعل، أمي قالتلي خليهم يخدموكي ويفرحوا بيكي شوية!
يوسف نفض رجله من إيدها بعنف، وصوته علي بهستيريا: تفرحي بإيه يا بجحة؟! بوجع قلبي؟ بلهفتي على ضنا بقالي أربع سنين بدعي بيه في كل سجدة؟! انتي تتاجري بوجعنا وبكسرة قلبنا عشان حقد نسوان وكيد عمى؟! دا أنا كنت مستعد أبيع هدومي عشان أدفع مصاريف الدكاترة ومثبتات الحمل اللي بتشحتيها! حماتي حاولت تتدخل، وصوتها كان بيرجف بس فيه مكابرة: يا يوسف يا ابني، اهدى، الست لما بتتحرم من الخلف بتعمل أي حاجة، هي كانت متضايقة وغلطت، عديها عشان خاطر…
يوسف لف لأمه وبصلها بنظرة عمري ما شوفتها في عيني ابن لأمه: أعدي إيه يا أمي؟! وانتي كنتي عارفة؟ انتي كنتي عارفة إنها بتكذب وشاركتي في الفيلم ده؟ جيتي تقولي لطارق خلو بالكم منها وخلوا إيمان تخدمها؟! انتي ترضي حد يعمل كده في بناتك؟! ترضي بنتك تبقى قاعدة مخدومة بالكذب ومسخرة سلفتها وبتضحك عليها وعلى جوزها؟! حماتي سكتت، ملقتش كلمة واحدة ترد بيها، حطت وشها في الأرض وهي بتتنفس بسرعة وعكازها بيخبط في السجادة برعشة إيدها.
أنا وقفت قدامهم كلهم، وقولت بكل هدوء وبنبرة مفيهاش أي تردد: أنا حقي جه قدام ربنا وقدامكم كلكم. وعشان تبقوا عارفين، أنا لا بلغت بوليس، ولا شيرت التسجيل ده عند حد، ولا فضحتم في العمارة زي ما كنتوا ناويين تفضحوني وتقولوا سقطت بسببي. أنا بنت ناس ومتربية، وبعرف أصون البيت اللي دخلته حتى لو أهله ما صانوش كرامتي.
بصيت لسارة وقولت: انتي يا سارة، ليكي رب يحاسبك على النعمة اللي بتلعبي بيها وبتكدبي باسمها، وأنا ماليش دعوة بيكي من اللحظة دي، لا ليكي سلام عندي ولا كلام، وشقتك دي عتبتها محرمة عليا ليوم الدين، لو شوفتك ماشية على السلم قدامي، هعتبر نفسي شايفة هوا. وبعدين لفيت لحماتي: وانتي يا ماما، كنت بحترمك زي أمي وبشيلك على راسي، بس اللي يرضى لمرات ابنه الإهانة ويساعد في كسرها عشان خاطر التانية، يبقى معندوش عدل. بيتك مفتوح لعيالك، لكن أنا كفايتي من المجاملات لحد هنا، مش هتشوفي مني قلة أدب، بس برضه مش هتشوفي مني الود القديم.
وأخيرًا، بصيت لطارق. طارق كان واقف زي التايه، بصلي وعينيه مليانة ندم واعتذار: إيمان… أنا مكنتش أعرف، أنا أسف، حقك عليا، أنا كنت فاكر… قاطعته بحزم: انت كنت فاكر إني أنا الحيطة المايلة يا طارق. كنت دايمًا تطلب مني أنا اللي أضحي، أنا اللي أستحمل، أنا اللي أعدي عشان المركب تسير، لحد ما المركب داست على كرامتي وكسرتني. لو انت شايف إن رجولتك تسمح إن مراتك تتهان ويتضحك عليها وانت تقف ضدي، يبقى إحنا ملناش عيشة مع بعض.
طارق مسك إيدي بلهفة قدامهم كلهم، وصوته كان مكسور: لأ يا إيمان، متقوليش كده، والله العظيم ما هسمح لمخلوق يقرب منك تاني، ولا حد هيدخل شقتك ولا يطلب منك مليم ولا خدمة، انتي ست البيت ده وتاج راسي، وأنا اللي هردلك اعتبارك قدام الكل.
يوسف كان واقف مش طايق يقعد ثانية واحدة، مسك سارة من دراعها وشدها من على الأرض بقسوة وقال لها بصوت صارم: قسماً بالله العظيم يا سارة، هدومك في شنطتك دلوقتي حالا، وعلى بيت أمك اللي خططتلك، ورجوعك ليا بعد اللي عملتيه ده فيه شك كبير، عشان اللي تتاجر بضنى ميت وتستحل كرامة الناس، متبقاش أم لعيالي أبدًا!