منوعات

انت اللي هتجهزى عيد ميلاد امي السبعين

امبارح الساعة اتنين الضهر، كنت واقفة ورا باب أوضة النوم الموارب، في ايدي كوباية المية اللي طلبها احمد مني .
وصوت أحمد وهو بيكلم أمه في التليفون واصل لي صافي كأنه قاعد جنبي .
كان بيقول بصوت واطي بس فيه عصبية مبطنة:
“يا أمي بقولك حولتلها ألفين جنيه بس، أنا أصلاً طفحان الكوتة وما معيش مليم، وعايزها هي اللي تحط الباقي من فلوسها أو ذهبها وتدبس في الحفلة وتعمل كل اللي نفسك فيه.”
صوت الحاجة زينب جه من السماعة برجفة خبيثة وهي بتقول:

“يا واد إنت غشيم، ما أنت عارف إن سمر الفترة دي شكلها مببقاش يعجبني، ومنشفة دماغها وبقالها يومين مش بتتكلم كتير.”
أحمد اتنهد بضيق وقالها:
“ما هو ده اللي مخوفني يا أمي، افرضي مرضيتش تدفع من جيبها وتجيب حاجة على قد الفلوس دي بس؟ أنا حاسس إنها متغيرة ومش زي الأول، بقيت خايف تعملها حركة مش متوقعه قدام العيلة وتكسفنا!”
ساعتها الحاجة زينب ضحكت ضحكة ناشفة وقالت بكل جبروت:

“ولو مرضتش يا أحمد وقالت مفيش.. وقتها تبقي هي اللي جنَت على نفسها وحفرت قبرها بإيديها! الناس كلها هتاكل وشها وتقول دي ست مش أصيلة وما بتصونش حماتها في عيد ميلادها السبعين، وساعتها نعرف نلمها ونكسر عينها .”
رجعت للواقع.. وبصيت قدامي في القاعة. أكواب النودلز الحمراء مترصصة قدام تلاتين نفر من أقاربهم اللي بيبصوا لبعض بذهول، وصوت تسجيل امبارح لسه رانين في ودان الكل.
الحاجة زينب كانت بتترعش في مكانها، وأحمد وقف باصص للغلاف وشه أصفر كالميت، وعينيه طايرة من الفضيحة اللي هما بنفسهم هندسوها.

سمر مادتش ودنها لكلامهم، ووقفت راسمة ابتسامة هادئة على شفايفها وقالت بصوت مسموع للقاعة كلها:
“أنا أهو.. لا كملت من جيبي، ولا جيت على نفسي.. وعملت بالظبط الي كانو عايزني اعمله ”
…..
بالليل، بعد ما البيت هدي ورجعت شقتها اللي بقت وكأنها خالية من كل روح، قعدت سمر على السرير في الضلمة، باصة لفراغ الحيطة. دماغها كانت عاملة زي الدوامة، الصدمة مخليه عقلها مش قادّر يرتب فكرة واحدة. إزاي جوزها اللي عاشت معاه تمن سنين يخطط لفضيحتها؟
وإزاي حماتها تقعد ترسم وتدير مؤامرة عشان تكسرها وتنهي كرامتها قدام العيلة؟

مسكت موبايلها وإيدها بتترعش، وفتحت أسماء الواتساب وضغطت اتصال على صحبتها المقربة “هبة”.
الخط رن مرتين وصوت هبة الناعس رد عليها بقلق:
“الو يا سمر؟ الساعة اتنين بالليل! خير يا بنتي حصل إيه، قلقتيني!”
أول ما سمر سمعت صوتها، حصن الصمت اللي حواليها انكسر، ودموعها اللي منزلتش طول اليوم نزلت زي الشلال، بس من غير صوت، وبصوت مخنوق ومتقطع قالت:
“الحقيني يا هبة.
. أنا حساني في كابوس ومش قادرة أصدق اللي حصل ولا قادرة أفكر أصلا، دماغي هينفجر.”
هبة اتعدلت في السرير وقالت بنبرة كله خوف:

“اقعدي اهدي وقولي لي بالراحه، أحمد عمل إيه تاني؟ هو الحفل باظ ولا إيه اللي جرَى؟”
سمر خدت نفس مهزوز وقالت:
” ده طلعوا مدبرينها يا هبة.. مش صدفة. امبارح بالليل بالصدفة سمعتهم وهما بيتفقوا عليا.. أحمد قال لامه إنه حط الألفين جنيه بالعمدان عشان يزنقني، وانه خايف لا مرضاش أكمل الباقي من جيبي، وحماتي ردت وقالت بالحرف: ‘ولو مرضتش تدفع.. تبقي هي اللي جنَت على نفسها وحفرت قبرها بإيديها! عشان الناس كلها تاكل وشها ونكسرعينها وناخد منها الشقة والذهب’.. هما كانوا عايزين يدبسوني عشان يطردوني ويخلصوا مني!”
صوت هبة على الناحية التانية اتملى غضب وصدمة:

“يا نهار أبيض! ناس دي مش بني آدمين دول شياطين!
طب وإنتِ عملتِ إيه في القاعة؟ عملتي إيه معاهم؟”
سمر مسحت دموعها بكم هدومها وقالت بصوت جاهدت تخليه ثابت:

“سمعتهم في القاعة وسكتّ.. شغلت التسجيل اللي سجلته للاتفاق بتاعهم قدام العيلة كلها، وسبتهم في نص الفضيحة وطلعت.
. بس أنا دلوقتي مرعوبة.. مش عارفة أعمل إيه ولا الخطه الجاية المفروض تبقى إيه، هل أرجع لبيت أبويا؟ ولا أطلب الطلاق رسمي؟ ولا أسكت وألعبها صح؟ دماغي واقفة ومش قادرة افكر في أي حاجة خالص.”
هبة سكتت ثواني تفكر بجدية، وبعدين قالت لها بصوت قاطع وحازم:
“اسمعيني كويس يا سمر.. اوعي ترجعي ورا خطوة واحدة، اللي زي دول كدة مفيش معاهم تفاهم.. قومي دلوقتي افتحي درجك وجمعي كل ورقة وكل إيصال وكل جنيه سلفيتيه ليه..

والصبح بدري، إحنا هنطلع على محامي شاطر عشان يعرفنا حقوقنا إزاي نجيبها بالقرش، ومش هتنزلي من بيتك ولا تتنازلي.. دول حفروا قبرهم بإيديهم خلاص!”
…..
عقلى بقى يلف ورا بعضه، وكل تفصيلة من تمن سنين الضياع بقت تظهر قدامي على شكل شريط سينمائي سريع بيوجع القلب. تمن سنين من الصبر والاستحمال، تمن سنين وانت باجي على نفسي وعلى صحتي عشان ارضي أحمد وأمه، وفي الآخر، الجزا كان طعنة في ظهري قدام الكل.

افتكرت أول سنة جواز، لما عزومة رمضان الكبيرة اتعملت في بيتي وأنا لسه عروسة جديدة مش فاهمة حاجة، وأحمد نزل جاب طلبات ناقصة وقالي بصوت هادي كالعادة: “دبري نفسك يا سمر من مصروفك الشهر ده، وأنا هعوضهالك الأسبوع الجاي”. طبعًا الأسبوع ده مجاش ولا مليم، وانا نزلت بعت خاتم دهب بسيط كان جيبهولي في الخطوبة عشان تكمل العزومة والناس ما تقولش على جوزها بخيل.

وافتكرت لما حماتي الحاجة زينب تعبت ودخلت المستشفى في سنة من السنين، وأحمد مكنش معاه تمن العملية، فوقفت جنبه ودفعت تحويشة عمها الله يرحمه، وخدت قرض صغير من شغلي عشان اخلص مصلحتهم، ولما خفت الحاجة زينب وقفت قدام العيلة وقالت بكل فجور:
“أصل ابنها هو اللي جاب الدكاترة ودفع كل قرش، وربنا جعله سبب في شفائي”، ولا كأني دفعت دم قلبي وسهرت ليالي بخدمها على سرير المرض.
تمن سنين من الهدايا اللي كنت بتشتريها لقرايبه من فلوسي على أساس إنها “هدية من أحمد”، ومن مشاوير المستشفيات وأدوية خالاته وعماته، وكل ده ووانا بقول لنفسي :

“بكره هيقدروا، بكره هيحسوا بتعبي وعطائي”. كل إيصال كانت بتحطه في الملف الأزرق، وكل جنيه كانت بتستلفه ليه وتسمع كلمة “معلش يا حبيبتي بكرة هندخل الجنة مع بعض”، كان عبارة عن حبال بتتربط حوالين رقبتها وهي فاكراها سند.
واللي وجع قلبي بجد إنهم مش بس ناكرين للجميل، دول كانوا بيخططوا يرموني برة البيت بعد ما يستنزفوني تمامًا.
فتحت عينيها ببطء، ودموع القهر تحولت لبركان هادي جوة صدرها. الوجع اللي كان مسيطر عليها اختفى، ومبقاش مكانه غير برود غريب وصلابة ملهاش حدود.

قامت من على السرير بخطوات ثابتة وواضحة، فتحت درج التسريحة، وطلعت الملف الأزرق العريض اللي مليان إيصالات تمن سنين، ورسائل الواتساب، والتحويلات، وحتى صور الديون والعمليات. حطتهم كلهم في شنطتها، وقالت بصوت واطي لوحدها وهي بتبص في المراية:
“خلاص يا سمر.. السكوت خلص، وتمن السنين دول هيتقبض بالقرش، وبعدها.. مفيش أحمد ولا زينب في حياتي تاني، نهاية اللعبة هتبقى على مزاجي أنا مش مزاجهم
….

أحمد بلع ريقه وبص لأمه اللي كانت بتترعش من الغضب وبعدين بص لسمر وعينيه مطلعارة شرار وخطا خطوتين ناحيتها ورفع صوته قدام العيلة كلها وقال بعنف انتي اتجننتي رسميا ايه قلة الأدب دي فضحتيني وفضحت أمي قدام الخلق كلهم فلوس ايه وزفت ايه اللي بتقولي عليها دي سمر لا اتحركت ولا رمشت وطفت الشاشه بتاعت الموبايل بهدوء خالص وبصت في عينيه من غير ولا ذرة خوف وقالت بصوت هادي وواضح خلى القاعة كلها
تسكت وتسمع فلوس الألفين جنيه اللي حضرتك بعتهم عشان تعزم تلاتين شخص وتجيب لحمة محمرة وفراخ وتورتة تلات أدوار وورد وتعمل منظر قدام قرايبك اللي جايين من

آخر الدنيا طب ما تسألهم كده يا أحمد وتعرفهم إنت بعت كام وليه أنا عملت كده ولا تحب أطلع الملف الأزرق وأقرا للكل لستة الديون من تمس سنين فاتوا العيلة كلها اتنقلت نظراتهم مابين أحمد اللي وشه بقى أصفر ومابين زينب اللي مسكت في دراع نهى مرات أخوه عشان ماوقعش من كتر الصدمة نهى حاولت تتدخل وقالت بصوت مأفور مهما كان يا سمر دي ولية عيوز وده عيد ميلادها كان ممكن تتصرفي وتكملي من عندك وتفاهمي مع جوزك في البيت مش تعملي المنظر ده وتكسفينا قدام العيلة سمر ضحكت ضحكة قصيرة وجات عينيها في عيون نهى وقالت لها ببرود أصل يا

نهى أنا بطلت أدفع من جيبي وأسلف جوزي عشان يعمل بيه شو قدام عيلته والمحاسبة تبقا عليا لوحدي في البيت اللي جيبها فاضي من كتر ما بتصرف على أعياد ميلاد وعزومات مابتخلصش واللي عايز يعمل حفلة فخمة ينزل يدفع تمنها من جيبه مش يرميها على مرات الابن اللي أخرتها تتهزأ وتسمع كلمتين مسمومين على اللبس والمنظر الحاجة زينب صرخت بصوت مهزوز يا قوية عينك يا سمر بتعلي صوتك عليا وفي وش ابني وبسببي أنا؟

أحمد حس إن الأرض بتدوب من تحتيه والناس بدات تهمس وتتكلم وبان في كلامهم اللوم الواضح عليه هو وأمه خصوصا إن الكل عارف طيبة سمر وإزاي كانت بتشيل الشيلة لوحدها من سنين فحب يلم الموضوع ويزعق عشان يغطي على فضيحته وقرب منها وشدها من دراعها جامد وقال من بين دبابيس سنانه اتلمي واطلعي بره معايا دلوقتي حالا بدل ما أطلقك هنا قدام الناس دي كلها سمر هزت دراعها بقوة ونفضت إيده عنها بصوت عالي قالت فيه جملة خلت كل لسان يتلجم في بقه طلقني؟

دا أنا اللي جيت برغبتي عشان أشهد الكل على نهايتكم النهاردة والملف خلاص نزل على جروب العيلة كله بالدليل والإيصالات وبالقرش الواحد عشان كل واحد يعرف مين اللي أكل حقه ومين اللي داس على كرامته طول السنين دي موبايلات الكل في نفس اللحظة رنت برسائل ورا بعضها في جروب العيلة الكبير أحمد طلع موبايله بايد بتهز وفتحه وشاف الملف اللي سمر بعتته لكل الأقارب من غير ما يستنى يشوف رد فعل حد سابتهم كلهم واقفين مذهولين قدام أكواب النودلز وراحت ناحية الباب بخطوات ثابتة وواسعة وفتحت باب القاعة وركبت عربيتها وسابت وراها أول حكاية تفضح كل السنين اللي ضاعت في الاستغلال

لما وصلت البيت فتحت درج التسريحة وطلعت الملف
الأزرق فرغته في سلة المهملات ونزلت قفلت الباب وراها للأبد وهي حاسة إنها لأول مرة من تمن سنين بترجع تنفس هوا نضيف لوحدها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى