رجعت البيت بعد ولادة صعبة جدًا، فلقيت حماتي مدهونة أوضة بنتي الرضيعة كلها بالأسود…
حماتي، سامية، كانت مستنية اليوم اللي أجيب فيه ولد من أول يوم اتجوزت فيه ابنها الوحيد، طارق.
عيلة طارق كانت بتمتلك مصنع أثاث كبير وناجح بقاله أربع أجيال، وسامية عمرها ما كانت بتفوت فرصة من غير ما تفكرني إن المصنع ده طول عمره بيتورث من الأب للابن.
ولما حملت، أنا وطارق قررنا إننا منعرفش نوع البيبي.
كنا عايزينها تبقى مفاجأة لحد يوم الولادة.
بس سامية مكانتش محتاجة سونار أصلًا.
كانت كل ما تشوفني تحط إيدها على بطني وتقول بمنتهى الثقة
أنا عارفة إنه ولد… حاسة بيه. ده الجيل الخامس.
ووصل بيها الموضوع إنها طلبت جاكت صغير كحلي مخصوص للبيبي، مطرز عليه اسم شركة العيلة، وعلى ضهره مكتوب
الجيل الخامس.
وفي مرة، وأنا شايفاها فرحانة بالجاكت، سألتها
طب ولو طلعت بنت؟
سامية ابتسمت وبصتلي كأن السؤال نفسه غريب، وقالت
البنات عمرهم ما أداروا شغل العيلة دي.
فضلت الجملة دي معلقة في دماغي.
بس وقتها حاولت أتجاهلها.
قلت لنفسي لما البيبي ييجي، سواء ولد أو بنت، أكيد قلبها هيرق.
حكايات_مني_السيد
أكيد أول ما تشوف حفيدها أو حفيدتها هتنسى الكلام ده كله.
لكن لما دخلت الأسبوع التامن والتلاتين من الحمل، جالي الطلق…حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
دخلت المستشفى وأنا فاكرة إن خلال ساعات قليلة هكون شايلة طفلي بين إيديا.
لكن الولادة كانت أصعب بكتير من أي حاجة تخيلتها.
فضلت أربعطاشر ساعة كاملة پتألم.
وبعدها حصلت مضاعفات خلت الدكاترة يقرروا إن مفيش وقت نضيعه، ولازم أعمل قيصرية طارئة فورًا.
آخر حاجة فاكراها قبل العملية كانت الأنوار القوية فوق راسي وصوت طارق وهو بيحاول يطمني.
ولما فتحت عيني أخيرًا…
لقيته قاعد جنبي.
كان بيعيط.
وفي ح.ضنه طفلة صغيرة جدًا ملفوفة في بطانية.
بصلي وابتسم وسط دموعه وقال
حمد لله على سلامتك… تعالي شوفي بنتنا.
وقربها مني.
دي مريم.
بنت.
إحنا خلفنا بنت.
لكن في اللحظة دي، مكنش فارق معايا أي حاجة في الدنيا غير سؤال واحد
هي كويسة؟
ولما عرفت إنها سليمة ومعافاة، حسيت إني مش عايزة من الدنيا أكتر من كده.
سامية جت تزورنا بعد الضهر.
دخلت الأوضة، وقربت من سرير مريم الصغير.
وقفت تبصلها كام ثانية.
وشها كان غريب.
مفيهوش الفرحة اللي كنت متوقعة أشوفها على وش جدة بتشوف حفيدتها لأول مرة.
وبعد لحظات، رسمت ابتسامة بالعافية على وشها.
قالت كلمتين عاديين…
وقعدت حوالي عشر دقايق بس.
وبعدين قامت ومشيت.
أنا وقتها كنت مرهقة جدًا ومش قادرة حتى أفكر في تصرفاتها.
بعد تلات أيام، طارق جه عشان يرجعني أنا ومريم البيت.
كنت لسه پتألم من العملية.
كل خطوة كنت باخدها كانت بتوجعني، وطلوع السلم بالنسبة لي كان شبه مهمة مستحيلة.
لكن رغم كل التعب…
كان في حاجة واحدة مستنياها من شهور.
إني أدخل أوضة مريم وأنا شايلاها.
الأوضة اللي جهزتها بإيديا.
كنت اخترت لون الحيطان كريمي هادي، ورسمت عليها بإيدي ورد بري صغير بألوان بسيطة ورقيقة.
اخترت لها ستاير فاتحة.
وجبنا سرير أطفال أبيض جميل.
قضيت شهور وأنا بتخيل اللحظة اللي هدخل فيها الأوضة دي ومعايا طفلي.
وأخيرًا اللحظة وصلت.
طلعت السلم بالعافية.
وصلت قدام باب الأوضة.
مديت إيدي…
وفتحته.
وصړخت.
اتجمدت مكاني.
كل حاجة كانت سودا.
كل حاجة.
الحيطان… حكايات_مني_السيد
سودا.
الورد الصغير اللي قعدت بالساعات أرسمه بإيدي…
اختفى تحت الدهان الأسود.
الستاير…
سودا.
حتى الأرضية اتغير شكلها وبقت سودا.
لكن أكتر حاجة خلت قلبي يقع…
كانت سرير بنتي.
السرير الأبيض الجميل اللي اخترته بنفسي…
كان متغرق في طبقة تقيلة من الدهان الأسود.
وقفت مش قادرة أستوعب اللي شايفاه.
وبعدين بصيت ناحية الشباك.
ولقيت سامية واقفة هناك.
وفي إيدها رول الدهان.
بصيتلها وأنا تقريبًا مش مصدقة وصړخت
إنتِ عملتي إيه؟!
سامية هزت كتفها بمنتهى البرود.
وقالت
مفيش وريث صغير راجع البيت، مش كده؟ فقلت بدل ما
نفضل عاملين نفسنا إن الأوضة دي حاجة مميزة، نخلي شكلها مناسب للحقيقة.
فضلت أبصلها وأنا مش قادرة أنطق.
أنا لسه خارجة من عملية.
لسه راجعة البيت ببنتي بعد ولادة كنت ممكن أموت فيها.
وهي استغلت الأيام اللي إحنا فيها في المستشفى…
ودخلت أوضة بنتي…
ومسحت كل حاجة عملتها بإيدي.
في اللحظة دي، طارق ظهر ورايا.
وقف عند باب الأوضة.
وبص للحيطان السودا.
وبعدين عينه راحت ناحية سرير بنته.
السرير الأبيض اللي بقى متغطي بالكامل بالدهان الأسود.
سامية عقدت دراعاتها قدام صدرها وقالت بمنتهى الاستفزاز
متعملوش حكاية من الموضوع. ده مجرد دهان. تقدروا تعملوا الأوضة من الأول لما تخلفوا ولد أخيرًا.
حسيت بإيد طارق وهي ماسكة إيدي.
وفجأة…
ضغط عليها جامد.
كنت متوقعة إنه ېصرخ.
كنت متوقعة يزعق لأمه.
يمكن يطلب منها تخرج من البيت فورًا.
لكن طارق معملش أي حاجة من دول.
على العكس تمامًا.
هدوء غريب نزل عليه فجأة.
هدوء خلاني أنا شخصيًا أقلق.
ملامح وشه بقت جامدة.
طلع موبايله من جيبه.
ومشي ناحية الطرقة.
وبدأ يعمل مكالمة.
كان بيتكلم بصوت واطي جدًا لدرجة إني معرفتش أسمع كلمة واحدة من اللي بيقولها.
سامية في الأول كانت واقفة بثقة.
لكن بعد شوية، بدأت تبص ناحيته بتوتر.
ولما قفل المكالمة ورجع، ضحكت ضحكة عصبية وقالت
إنت بتعمل إيه يا طارق؟
طارق مبصلهاش.
بص لبنته الصغيرة اللي كانت نايمة في حضڼي.
وبعدين رفع عينه لأمه وقال
هتعرفي كمان دقيقة يا ماما.
أنا نفسي مكنتش فاهمة حاجة.
كنت لسه هسأله يقصد إيه…
لما جرس الباب رن.
طارق لف من غير ما يقول كلمة.
ونزل السلم.
سمعت صوت الباب بيتفتح.
وبعد حوالي دقيقة…
سمعت صړخة سامية.
صړخة خلتني أنسى ۏجع العملية للحظة…
حكايات_مني_السيد
الفصل الثاني اللي كان واقف ورا الباب
صړخة سامية لسه بترن في وداني لحد دلوقتي.
صړخة مش شبه أي صړخة سمعتها منها قبل كده.
كانت صړخة خوف.
خوف حقيقي.
مش صدمة من اللي حصل في الأوضة، ولا ڠضب، ولا حتى اعتراض.
لأ…
كانت خاېفة.
بصيت على طارق، لكنه كان واقف مكانه بمنتهى الثبات.
قال لي من غير ما يبصلي
خليكي هنا يا نور.
استغربت.
إيه اللي حصل؟
مردش.
نزل السلم بسرعة.
وأنا فضلت واقفة عند باب أوضة مريم، شايلة بنتي، ومش فاهمة أي حاجة.
سامية كانت بتبص ناحية السلم وكأنها شافت شبح.
قربت منها خطوة.
إيه اللي حصل يا سامية؟
لفتلي فجأة.
وشها كان أبيض.
قالت بصوت واطي
إنتِ… إنتِ كنتي عارفة؟
عقدت حواجبي.
عارفة إيه؟
سكتت.
وبعدين قالت
طارق قالك حاجة؟
طارق قالي إيه؟
سامية بصت للسلم تاني.
هو كان بيجهز لكل ده؟
لكل إيه؟!
لكن قبل ما تكمل، سمعنا صوت خطوات بتطلع على السلم.
خطوات أكتر من شخص.
سامية رجعت لورا.
وأنا قربت مريم مني أكتر.
ظهر طارق الأول.
ورا منه راجل كبير في السن، لابس بدلة رمادي غامق، ومعاه اتنين رجالة تانيين.
أول ما سامية شافت الراجل الكبير، وشها اتغير تمامًا.
قالت
إنت؟!
الراجل بص لها بهدوء.
أيوه… أنا.
سامية قربت منه وهي متوترة.
إنت بتعمل إيه هنا؟
رد بمنتهى البرود
جاي أنفذ كلام ابنك.
بصيت لطارق.
مين ده؟
طارق أخد نفس طويل.
وبعدين قال
ده أستاذ فؤاد.
سامية قاطعته
مالوش أي علاقة بالموضوع!
طارق بص لها.
بالعكس… هو أكتر واحد له علاقة.
أستاذ فؤاد بص على الأوضة السودا.
وسكت ثواني.
وبعدين قال
أنا شفت بعيني كل اللي حصل.
سامية شهقت.
شفت إيه؟
كل حاجة.
سكتت.
فكمل
من أول ما ډخلتي الشقة.
أنا حسيت بقشعريرة في جسمي.
بصيت لطارق.
هو كان مراقبها؟
طارق هز راسه.
آه.
سامية اڼفجرت
إنت اټجننت يا طارق؟! إنت مراقب أمك؟!
طارق لأول مرة رفع صوته.
لما أمي تدخل بيت مراتي وأنا مش موجود، وتعمل اللي عملته في أوضة بنتي… آه، هراقبها.
سامية حطت إيدها على صدرها.
أنا أمك!
وأنا ابنك.
قالها بمنتهى الهدوء.
بس مريم بنتي.
سكتت.
طارق قرب مني.
بص لمريم.
وبعدين قال
وأنا مش هسمح لحد يعاملها كأنها غلطة.
دموعي نزلت