مسحت دمعة كانت متعلقة في طرف عيني، ودخلت المفتاح في جيبي بحرص
مش هرتاح يا حسام إلا لما أقفل الدايرة دي كلها.. على إسكندرية فورًا.
ركبنا عربية المتر سامح وطلعنا على طريق مصر إسكندرية الصحراوي. طول السكة والشمس طالعة فوق المزارع والبيوت، كنت باصة في المراية الجانبية.. عيني كانت رجعت لطبيعتها تمامًا، النور صافي،ومفيش أي أثر للضباب اللي عشت فيه شهور الړعب اللي فاتت.
وصلنا فرع البنك العريق في محطة الرمل على وقت الضهر. دخلنا مع المتر سامح وقدمنا إعلام الوراثة والبطاقة الشخصية والمفتاح النحاسي الأصلي اللي بابا سابه.
مدير الفرع استقبلنا باحترام، ونزل معايا بنفسه لغرفة الخزائن الحديدية المصفحة تحت الأرض.
وقفت قدام الخزنة رقم ١١٤، حطيت المفتاح، ولفيته لفتين.. التكة الرنانة أعلنت فتح الباب التقيل.
سحبت الصندوق المعدني وفتحته على الترابيزة قدام حسام والمتر سامح.
جوة الصندوق مكنش فيه فلوس ولا مجوهرات.. كان فيه مذكرات والدي بخط إيده، متوثقة بتواريخ وأيام السنين اللي فاتت، ومعاها عقود ملكية قديمة باسم جدي، وأهم وثيقة فيهم عقد ملكية كامل لمجموعة لوحات فنية وتاريخية مسجلة رسميًا باسمي أنا شخصيًا، ووصية قطعية بتأسيس مؤسسة خيرية وثقافية باسم عائلة السلاب لحماية التراث ودعم المحتاجين.
وفي الصفحة الأخيرة من المذكرات، بابا كان كاتب
يا بنتي ونور عيني دينا.. من يوم ما والدتك مـ,ـاټت وأنا عايش عشانك وعشان أحميكي من عيون الطمع.. كنت عارف إن في ذئاب حوالينا، وسجلت كل كلمة وكل حركة عشان يوم ما يغدروا بيا ميعرفوش يمسوا شعرة منك.. خليكي دايمًا قوية، والحق مبيضعش وراه مطالب.
حضنت الدفتر على صدري وغمضت عيني، وحسيت براحة وسکينة مكنتش حسيتها من سنين، كأن روح بابا بتطبطب على كتفي وبتقولي خلاص يا بنتي، كل حاجة رجعت لأصلها.
مرت تلات شهور بعد اليوم ده..
محكمة جنايات القاهرة أصدرت حكمها التاريخي بإجماع الآراء الإعـ,ـدام شـ,ـنقًا لطارق عبد الرحمن پتهمة القـ,ـټل العمد مع سبق الإصرار والترصد لوالدي والشروع في قـ,ـتلي بالسم، والسجن المؤبد لشيرين وباقي أفراد شبكة التهريب پتهمة التآمر وتزوير المحررات الرسمية وسړقة الآثار.
وفي يوم جمعة مشمس وهادي، كنت واقفة في جنينة الفيلا في التجمع الخامس.. الورد والفل اللي بابا زرعهم كان مفتح ومغطي الجنينة بريحة الياسمين.
الفيلا اتحولت رسميًا لمقر مؤسسة رفعت السلاب الخيرية للخدمات الطبية ودعم المكفوفين، وحسام كان واقف جنبي بيراجع التجهيزات الأخيرة لافتتاح أول معمل كيميائي خيري لفحص الأدوية مجانًا للناس البسيطة.
بصيت لحسام وابتسمت، وقولتله وأنا بشم ريحة الورد بحرية كاملة
مكالمة الغلط اللي طلبتها زمان يا حسام.. طلعت هي النجاة الوحيدة اللي ربنا كتبهالي في طريقي.
حسام ابتسم ورد بهدوء وهو باصص لنور الشمس
مفيش حاجة بتحصل صدفة يا دينا.. ربنا عمى بصيرتهم هما، ورجعلك نورك عشان تكوني النور اللي هينور حياة ناس كتير بعدك.